وأعلى تجليات هذا المنظر ، ما يستر ذات العبد ، أعني : وجوده . فقال القائل شعرا :
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب * فغفرانه أعظم الغفران
وأنزل من ذلك : ما يستر به ، فيغفر الصفة ، فالاسم ، فالفعل ، فالقبح ، فالذنب - وهو حظ سائر العوام من الناس .
آفة هذا المنظر : هو دعواك الوجود من دونه ، فلو لم تكن مدعيا لذلك ، لما احتجب الستر . هذا لمن هو في مقام الفناء ، وهو في مقام البقاء ، نقص أيضا . لأن الستر الذي هو الغفران : حجاب ، والمحجوب ناقص .
* * *
منظر ( سبحان اللّه )
في هذا المنظر : يتجلى اللّه تعالى على العبد بتجلّ ، تتعشق به حضرة التنزيه ، ويتعشق بها . فلا يدخل قلبه الكون ، ولا يلحق به نقص ، ولا ينتمي إليه تحديد ولا حصر . فيه : يجحد الولي أباه والأبناء ، ويفقد أعداءه والألداء ، وينكر حكم العناصر عليه ، وينفي وقوع حكم القبلية والبعدية عليه .
من تجلى اللّه عليه ، في هذا المشهد ، أقام منزّه الذات ، مقدس الصفات ، لا يلحق به شيء من لوازم المحدثات . فيه قال الإمام أبو يزيد رضي اللّه عنه : ( سبحاني ما أعظم شأني ) « 1 » .
هامش
( 1 ) قال الشيخ أبو نصر الطوسي في كتابه « اللمع » مؤولا كلام أبي يزيد هذا : قال الشيخ رحمه اللّه :
سمعت ابن سالم يقول في مجلسه يوما : فرعون لم يقل ما قال أبو زيد رحمه اللّه ، لأن فرعون قال : أنا ربّكم الأعلى ، والرب يسمّى به المخلوق ، فيقال : فلان ربّ دار وربّ مال ، وربّ بيت ، وقال أبو يزيد رحمه اللّه : سبحاني سبحاني ، وسبّوح ، وسبحان اسم من أسماء اللّه تعالى الذي لا يجوز أن يسمى به غير اللّه تعالى .
فقلت له : هذا الكلام قد صحّ عندك عن أبي يزيد ، رحمه اللّه ، وصح عندك أن اعتقاده في ذلك كان كاعتقاد فرعون في قوله : أنا ربّكم الأعلى ؟ فقال ابن سالم : قد قال ذلك حتى يصح عندي : أنه أيش أراد بذلك ؟ يلزمه الكفر .
فقلت : إذا لم يتهيأ لك أن تشهد عليه بما اعتقد عند قوله ذلك فبطل أن تكفره ، لأنه يحتمل أن يكون لهذا لكلام مقدمات ، فيقل : يعقبه سبحاني سبحاني : يحكي عن اللّه تعالى بقول : -