منظر ( الكشف والعيان )
ينفتح للعبد ، في هذا المنظر ، حول عينه : دائرتان :
إحداهما : تسمى دائرة العين الصغرى ، فيها يرى المحسوسات ، من وراء كثائف الحجب الحسية ، أشخاصا معينة . فلا تحجبه الجدارات ، ولا البعد ، ولا شيء من ذلك .
الثانية : تسمى دائرة العين الكبرى ، فيها يرى البرزخ ، والملكوت ، وعوالم الأرواح ، ويطلع على الجنان ، والنيران ، وأنواع النعيم ، والعذاب ، ويعرف أجناس الملائكة ، وفي أي وظيفة أقام الحق تعالى كل نوع من هذه الملائكة ، وتخاطبه الروحانيات ، بما فيها من الأسرار الإلهية ، ويلقى إليه من سؤالات العلوم اللدنية ، وأجوبتها ، إلى غير ذلك مما يطول شرحه .
آفة هذا المنظر : احتجابه بمنظر العيان والكشف ، عن منظر الوجدان والشم . فإذا أردت الفرق ما بين المنظرين ، فتأمل الدائرة الصغرى ، كيف هي حاصلة لكل ما ينتقل من الدنيا إلى البرزخ . فإنه إذا صار السالك من عالم الأرواح ، لم تحجبه المحسوسات مع كثائفها ، بل يشهد البعيد ، كما يشهد القريب : فما زاد صاحبها بأن ضيّع حاصل وقته ، بالوقوف مع اجتلاب ما لا بد من اللّه حصوله .
وأما الدائرة الكبرى ، فملحق بالثانية ، لأن الشخص إذا انتقل من البرزخ ، إلى الجنة ، أو النار - وجد تلك الدائرة بعينها . فما زاد صاحبها إلا بأن حصل الحاصل ، وليس مطلوب أهل اللّه تعالى ، إلا العلم باللّه تعالى ، وبه يعلم الأشياء شما ووجدانا .
وسيأتي بيان ذلك في المنظر التالي .
* * *
منظر ( الستر )
يتجلى اللّه تعالى ، على العبد ، بتجلّ تستتر عنه سائر العوالم الكونية ، فلا يعلم للأكوان علما . فهو كأحد عوام الناس في الاطلاع على الأشياء ، لا يعلم ما تحت جنبيه .
وفي هذا المنظر : قال سيد أهل اللّه تعالى :
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
[ الأحقاف : 9 ] .