رأى موسى ربه وإنما رأى اللّه ، وما ثم إلا المعبر عنه بموسى ، وإلى هذا المعنى أشار الحق سبحانه وتعالى بقوله :
لَنْ تَرانِي
« 1 » أي يا موسى ، يعني لأنك إذا كنت موجودا فأنا مفقود عنك ، وإن وجدتني فأنت مفقود ، ولا يمكن للحادث أن يثبت عند ظهور القديم . وإلى هذا المعنى أشار الجنيد بقوله : المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له أثر . وقال عليّ رضي اللّه عنه : إن غبت بدا وإن بدا غيبني ؛ وإلى هذه الإشارة بقوله لموسى : فارق نفسك وتعال ، حين قال موسى في مناجاته : يا رب كيف أصل إليك ، فإذا علمت أن الطور هو باطن نفسك وذلك هو المعبر عنه بالحقيقة الإلهية في الإنسان إذ خلقه مجاز ، ألا ترى إلى الحديث النبوي الذي قال فيه : إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن « 2 » وقد تقدم فيما بيناه أن الطور الأيمن هو النفس لأن الطور الذي هو غير الأيمن هو الجبل ، فاكتفى عليه السلام في هذا الحديث بذكر اليمن ، ونبه على أنه وجد نفس الرحمن من نفسه ، ونفس الرحمن هو ظهوره في أسمائه وصفاته ، قال اللّه تعالى :
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
« 3 » يعني إذا ظهر ، فاعلم حينئذ أن الكتاب المسطور هو الوجود المطلق على تفاريعه ، وأقسامه واعتباراته الحقية والخلقية ، وهو مسطور أي موجود مشهود في الملكوت ، وهو اللوح المحفوظ ، ونظيره في الملك في المقابلة الإنسانية ، وهي المعبر عنها بالرق المنشور ، فمحل تشبيه قابلية روح الإنسان بالرقّ هو وجود الأشياء فيها بالانطباع الأصلي الفطري ، وكان وجود الموجودات فيها بحيث لا تفقد شيئا ، وهو المعبر عنه بالمنشور ، لأن الكتاب إذا كان منشورا لا يبقى فيه شيء إلا وقد عرف ، والرق المنشور هو اللوح المحفوظ ، ونظيره : روح الإنسان باعتبار قبولها وانطباع الموجودات فيها ، وذلك ذات اللوح ولا مغايرة بينهما ، وأما البيت المعمور فهو المحل الذي اختصه اللّه لنفسه ، فرفعه من الأرض إلى السماء وعمره بالملائكة ونظيره قلب الإنسان فهو محل الحق ، ولا يخلو أبدا ممن يعمره ، إما روح إلهي قدسي أو ملكي أو شيطاني أو نفساني ، وهو الروح الحيواني ، فلا يزال معمورا بمن فيه من السكان ، قال اللّه تعالى :
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
« 4 » أي يقيم فيها ، فالعمارة هي السكنى ، والسقف المرفوع هي المكانة العليا الإلهية التي في هذا القلب ، لأنه لما شبه القلب بالبيت المعمور جعل الحقيقة الإلهية منها سقفها المرفوع والسقف من البيت ، فسقف البيت المعمور
هامش
( 1 ) آية ( 143 ) سورة الأعراف .
( 2 ) سبق تخريجه .
( 3 ) آية ( 18 ) سورة التكوير .
( 4 ) آية ( 18 ) سورة التوبة .