التي هي عين ذات كل فرد من أفراد الإنسان المنعوت أولا فقال : « ملك يوم الدين » « 1 » الملك الحاكم الشديد القوة ، واليوم هنا هو التجلي الإلهي أحد أيام اللّه ، والدين من الإدانة ، فيوم الدين عبارة عن تجلي رباني تدين له الموجودات فيتصرّف فيها كيف يشاء فهو ملكها ، وورد
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
يعني صاحب العالم الباطني المعبر عن ذلك العالم بالقيامة والساعة ، وذلك يعني صورة المحسوسات ومحل روحانية الموجودات فافهم . ثم خاطب نفسه بنفسه فقال :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
« 2 » أي لا غيرك ، قال الشاعر يخاطب نفسه :
طحا بك قلب في الحسان طروب
وهذا المعنى يسمى بالالتفات لأنه انتقل من مكان التكلم ، إذ محله أن يقال :
طحا بي قلب ، إلى مقام الخطاب ، فقال صحابك : أقام نفسه مقام المخاطب ، فقال تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
يخاطب نفسه ، يعني هو العابد نفسه بمظاهر المخلوقات ، إذ هو الفاعل بهم ومحركهم ومسكنهم ، فعبادتهم له عبادته لنفسه ، ولأن إيجاده إياهم إنما هو لإعطاء أسمائه وأوصافه حقها ، فما عبد إلا نفسه بهم ، ثم قال يخاطب حقه بلسان الخلق
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
« 3 » لأنه المراد بالخلق والحق ، فيخاطب نفسه إن شاء بكلام الحق ويسمعه بسمع الخلق ، ويخاطب نفسه إن شاء بكلام الخلق ويسمعه بسمع الحق . ولما أعلم أنه العابد نفسه بهم نبهنا على شهود ذلك فينا ، فقال :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
لنبرأ من الحول والقوّة والقدرة ، بصرف جميع ذلك إليه سبحانه وتعالى ، ولنلحظ ذلك منا وفينا ، ولا نغفل عنه لنرتقي من ذلك إلى معرفة وأحديته ، فنحظى بتجلياته ويسعد منا من سبق له السعد ، ولهاتين الكلمتين من المعاني ما تضيق هذه الأوراق عن شرحها ، فلنكتف بما تكلمنا عليه ، إذ قصدنا الاختصار لا التطويل ؛ ثم قال بلسان الخلق
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
« 4 » لأن النصف الأول من بسم اللّه الرحمن الرحيم إلى ملك يوم الدين كله إخبار بلسان الحق عن نفسه ، والنصف الثاني مخاطبة بلسان الخلق للحق ، فالصراط المستقيم هو طريق المشهد الأحدي الذي يتجلى اللّه به لنفسه ، وإليه الإشارة بقوله
صِراطِ اللَّهِ
« 5 » يعني طريقه إلى ظهور تجليه ، ثم نعت أهل هذا المقام يعني أهل هذا المشهد الأحدي بعد جمعهم في
هامش
( 1 ) آية ( 4 ) سورة الفاتحة .
( 2 ) آية ( 5 ) سورة الفاتحة .
( 3 ) الآية السابقة .
( 4 ) آية ( 6 ) سورة الفاتحة .
( 5 ) آية ( 52 ) سورة الشورى .