صراط اللّه بلسان التفرقة فقال :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
يعني أهل هذا المشهد بوجودك وشهودك ، فتجليت عليهم بنعيم القرب الإلهي
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
« 1 » وهم أهل البعد الذين تجلى عليهم باسم المنتقم
وَلَا الضَّالِّينَ
وهم الذين ضلوا في هدى الحق فما وجدوه ولكنهم ليسوا بمغضوب عليهم ، بل رضي الحق عنهم فأسكنهم بجواره لا عنده ، وهم الذين يسألهم اللّه تعالى فيقول لهم : يا عبادي تمنوا عليّ ، فيقولون : ربنا نتمنى رضاك ، فيقول لهم : رضاي عنكم أسكنكم بجواري فتمنوا ، فلا يتمنون إلا رضاه ، فإنهم لا يعرفونه ، فلو عرفوه لتمنوه ، فهم منعمون بنعيم الأكوان في روضات الجنان ، الذي لا يتجلى اللّه عليهم بما هو له فهم ضالون عن الرحمن ، بل منعمون بلذات الجنان فافهم . واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الحادي والأربعون : في الطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور
اعلم وفقنا اللّه وإياك أن هذا الباب عمدة أبواب هذا الكتاب ، فليكن تأملك فيه مع حضورك فيما يقال لك ، ولا تكتف بظاهر اللفظ ، بل اطلب ما وراء ذلك مما نبهنا عليه من الإشارات وأومأنا إليه بلطف العبارات . واعلم أن جميع هذه المعاني المذكورة في الطور وغيره مما سبق ذكره في الأبواب جميعها ولو كان المعتمد على ظواهرها في قول الشرائع فأنت المراد بها في باطن الأمر ، فإنيتك هي الحاوية لجميع تلك العبارات وتعدد تلك المعاني لتعدد وجوه إنيتك ، فاعتبر جميعها في نفسك ، فأنت المسمى بتلك الأسماء . وأنت الموصوف بتلك الصفات . واعلم بأن المراد بالطور نفسك قال اللّه تعالى :
وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ
« 2 » أي جانب النفس ، فعلم أن ثم طورا غير الأيمن وهو الجبل الذي كان موسى يتجلى فيه كما يتجلى أهل اللّه في الكهوف والمغارات والأودية ، فالتجلي الحاصل هنالك على موسى إنما كان من حيث نفسه لا من حيث الجبل ، ولم يكن الجبل إلا محلا لمكان تعبد موسى ، واندكاك الجبل عبارة عن فناء نفسه باللّه ، وصعقه عبارة عن المحق والسحق ، فعدم موسى وصار العبد كأن لم يكن والحق كما لم يزل ، فما
هامش
( 1 ) آية ( 7 ) سورة الفاتحة .
( 2 ) آية ( 52 ) سورة مريم .