الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] .
لأنّ الاستواء ليس إلّا بمعنى الاستيلاء ، وإذا كان كذلك فخصوصيّة العرش به يكون من حيث إنّه أعظم الأشياء وأعظم الأجسام .
والاستيلاء على أعظم الأشياء يستلزم الاستيلاء على أحقرها بطريق الأولوية .
وهاهنا أبحاث من حيث المعقول ليس هذا موضعها فافهم ذلك جدّا ، واللّه أعلم بحقايق الأشياء ودقايقها ، وهو يقول الحقّ وهو يهدي السبيل .
( التراب الحقيقي هو العلوم الظاهرة )
وأما التّراب الحقيقي الّذي بإزاء هذا الماء بحكم العقل والنّقل ، عبارة عن العلوم الظاهرة الّتي هي كالتراب بالنّسبة إلى تلك ، والقشر إلى تلك اللباب ، فكما يكون المراد بالماء الحقيقي العلوم الرّوحانيّة والمعارف القدسيّة ، يكون المراد بالتراب الحقيقي العلوم المحسوسة الكسبية والمعارف الفكريّة الحدسيّة ، لأنّ المراد بالتّراب في جميع المواضع لو كان التراب الصرف لم يقل الحقّ تعالى في حقّ آدم عليه السّلام :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
[ آل عمران : 59 ] .
لأنّ آدم خلقه ليس من التراب فقط ، بل من التراب وغيره من العناصر ، بحيث يكون التراب جزء من أجزاء بدنه ، لكن من جهة الأغلبيّة أشار إليه ، وكذلك الحيوان بل وكلّ موجود ، لأنّ إبليس أيضا لم يكن مخلوقا من نار صرف حيث قال :
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ
[ الأعراف : 12 ] .