ومن هنا قال أبو حامد الغزالي رضي اللّه عنه : ليس في الإمكان أبدع مما كان ؛ لأن ما كان هو مجموع أسمائه وصفاته ، ولا شيء أبدع منها « 1 » ، ومن هنا تعلم سرّ قوله رضي اللّه عنه في قوم نوح : إنهم لو تركوا عبادتهم ودّا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا ؛ لجهلوا من الحق بقدر ما فاتهم من هؤلاء ، وقد تقدّم هذا .
بقي قوله : لو تركوا عبادتهم ، فإن العبادة لا دخل لها في المعرفة .
وجوابه : أن لها دخلا في الدلالة عند المحجوبين ، فإن هؤلاء لا يتخيّلون الإلوهية إلا فيما عبدوا ، وإلا لعبدوا الكل .
هامش
( 1 ) قال الشيخ في الفصوص : ( فظهر جميع ما في الصورة الإلهيّة من الأسماء في هذه النشأة الإنسانيّة ) قال الشريف ابن ناصر : هذا هو التخلّق بجميع الأسماء ، وهو أحسن تقويم .
وقال تعالى :وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها[ البقرة : 31 ] ولم يقل بعضها .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » رواه الشيخان البخاري ، ومسلم .
وفي رواية : « صورة على صورة الرحمن » .
( فجازت رتبة الإحاطة والجمع ) ، فجمع بين الصورة الحقيّة ، وصورة العالم وكان برزخا بين الحق ، والخلق مرآة منصوبة يرى الحق فيها ، ويرى الخلق فيها ، فمن حصّل هذه المرتبة ، حصّل رتبة الكمال الذي لا أكمل منه في الإمكان .
كما قال الإمام الغزالي رحمه اللّه : ما في الإمكان أبدع ما كان ، ومعنى رؤية الحق : فيها إطلاق جميع الأسماء الإلهيّة عليه ، كما جاء في الخبر : « فبهم تنصرون واللّه الناصر ، وبهم ترزقون واللّه الرزاق ، وبهم ترحمون واللّه الرحمن الرحيم » .
وقد ورد في القرآن :بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ[ التوبة : 128 ] ،وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ[ الأنبياء : 107 ] : أي لنرحمهم بك ؛ لأنه اسم اللّه الأعظم ، فافهم . انظر : مجمع البحرين ( 266 ) .