الحدوث من أن معناه ما يفهم من اللغة بالمفهوم الأول ؛ إلا أن نسبته إليه تعالى مجهولة علينا ، وموكول علمها إليه لا إلى غيره كائنا من كان ، وإذا علم الشيء من اللفظ ، وجهلت نسبته حال تركّبه تركيبا تاما أو ناقصا ؛ بطلت جميع لوازمه ؛ لتحقّق الجهل بالمارد من تمام التركيب ، وعلى هذا فلا إيراد .
وهذه النسب تكون لمرتبة ألوهيته لا إلى ذاته الأقدس الأنزه ؛ لتعاليه تعالى ، والحالة هذه عن كل شيء كما تقدّم ، وقد علمت من قولنا السابق أنه لا يجوز لأحد إطلاق شيء من سمات الحوادث عليه تعالى ، وإن نسبة هذه إليه تعالى لا يكون إلا من وجه أولهيته الجليلة العظيمة ، فبطلت اللوازم الواردة في هذا الموطن على المذهبين ، مذهب أهل الحق القائلين بالوحدة ، ومذهب أهل النظر حيث جهلت النسبة .
بقي الكلام على الآيات التي أوردها السعد - رحمه اللّه - في معرض الاعتراض على ما ذهب إليه هذا الهمام من القول بالمعيّة الذاتية ، وإنها هي المفهومة من اللفظ القرآني .
الآية الأولى : قوله لموسى وهارون :
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
[ طه : 46 ] .
وجوابه : إن هذه المعيّة معيّة مخصوصة يراد منها المعية بالمعونة ، فما اتّحدت بالمعيّة المطلقة الذاتية ، وإذا اختلف الموضوع في المسألة ؛ انتفى التناقض بينهما على أن هذه الآية تصلح دليلا لما ذكره هذا العارف ، حيث كان ختم الآية : أسمع وأرى ، والذي يسمع هو الواجب تعالى لا علمه ؛ إذ لا معنى لقوله :
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
[ طه : 46 ] .
الآية الثانية : وهي قوله تعالى :
إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
[ التوبة : 40 ] ،