هامش
جميع الأشياء اللازمة له : كليّها ، وجزئيّها ، المسماة بالأسماء والصفات ، النسب الإلهية التي لا توصف بوجود ولا عدم ، وهذه المرتبة تسمّى مرتبة الألوهية ، ومرتبة الواحدية ، ومقام الجمع .
قال تعالى :وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ[ البقرة : 163 ] : أي من ترجع كثرة الأسماء والصفات إليه ، وهذه المرتبة باعتبار الإيصال لصور الأسماء - أعني الأعيان الثابتة والحقائق الكونية - إلى كمالاتها على حسب استعداداتها في الخارج تسمّى مرتبة الربوبية : أي مرتبة الأفعال الإلهية ، كالإحياء والإماتة ، والقبض والبسط ، والخفض والرفع ، إلى غير ذلك من الأفعال المسمّاة من جهة بالشؤون الإلهية .
قال تعالى :كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[ الرحمن : 29 ] ، وقد أشير إلى ذلك بقوله تعالى :سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ[ الرحمن : 31 ] أي : من هذه الشؤون ، وهي : أي مرتبة الربوبية تقتضي مربوبا ، كما أن الإلهية تتطلب مألوها ، فهنا لا غنى ، فافهم .فالكلّ مفتقر ما الكلّ مستغن * هذا هو الحق قد قلناه لا نكنّيفإن القادر يطلب مقدورا ، والعالم يطلب معلوما وهكذا ، وهذا أمر ظاهر ، فإذا تأمّلت ما أشرنا إليه فقد خلصت نفسك من شبهات لا يمكن ردّها إلا بما ذكرناه من اعتبار المراتب ، والأمر في ذلك سهل ، ثم أن البرزخ بين المرتبتين الذي تفرعتا منه ، والناظر إليهما هو التعيّن الأول ، وهو العلم الذاتي الذي تعيّنت به الذات البحت ، بواسطة الحب الذاتي ، المشار إليه بقوله في الحديث القدسي : « كنت كنزا مخفيّا لم أعرف ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق ، وتعرّفت إليهم ، فعرفوني » .
هكذا رواه حضرة الشيخ بالمعنى ، وفي رواية أخرى : « فبي عرفوني » .
عبّر في هذا الحديث عن الذات البحت بالكنز بجامع النفاسة والاختفاء ، وعن هذا التعيّن الأول بالعلم الذاتي بقوله : « فبي عرفوني » ؛ لأن علمه تعالى عين ذاته ، وإنما كان التعيين الأول بالعلم الذاتي ؛ لأنه أقدم الصفات ، مع أن علم الشيء بنفسه من ضرورياته ، على أن علمه بذاته تعالى يستلزم العلم بسائر كمالاته فافهم ، نعم صفة الحياة مقدمة على العلم تقدّم الشرط على المشروط ؛ إذ من شأن العالم أن يكون حيّا ، لكن القصد للمشروط ، فكان أشرف الكل وأقدمها ، لا يقال علمه بذاته تعالى يقتضي الإحاطة بكمالاته ، وكمالاته لا يحاط بها لعدم تناهيها ، فهو تعالى لا يعلم ذاته ؛ لأنا نقول : العلم الذي يقتضي الإحاطة هو الحصولي لا الحضوري ، على أن علمه