تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
وقد صرّح بهذا المعنى الذي ذكرناه وأوضح الغرض الذي قصدناه شيخ الطريقة وإمام أهل الحقيقة من المتأخرين أبو محمد عبد العزيز المهدوي رضي اللّه عنه ، فإنه قال : « اعلم أن الورع أن لا يكون بينك وبين الخلق نسبة في أخذ أو إعطاء أو قبول أو ردّ ، وأن يكون السبق للّه تعالى ، وهو أن تأتي إليه طاهرا من جميع الأشياء والعلم والعمل ، كما قال تعالى :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الأنعام : 94 ] » . وقال أيضا : « الورع : أن لا تتحرك ولا تسكن إلّا وترى اللّه في الحركة والسكون » فإذا رأى اللّه ذهبت الحركة والسكون وبقي مع اللّه ، فالحركة ظرف لما فيها ، كما قال بعضهم : « ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه فيه » فإذا رأى اللّه ذهبت الأشياء . وقال أيضا : « أجمع العلماء على أن الحلال المطلق ما أخذ من يد اللّه بسقوط الوسائط » وهذا مقام التوكل ؛ ولهذا قال بعضهم : « الحلال هو الذي لا ينسى اللّه فيه » ، إلى غير هذا من العبارات التي عبّر بها في هذا المعنى . وقال بعض هذه الطائفة : « العبيد كلهم يأكلون أرزاقهم ، ثم يفترقون في المشاهدات ، فمنهم : من يأكل رزقه بذلّ ، ومنهم : من يأكل رزقه بامتهان ، ومنهم : من يأكل رزقه بانتظار ، ومنهم : من يأكل رزقه بعزّ بلا مهانة ولا انتظار ولا ذلة ، فأمّا الذي يأكلون أرزاقهم بذلّ ، فالسؤّال يشهدون أيدي الخلق فيذلّون لهم ، وأما الذين يأكلون أرزاقهم بامتهان فالصنّاع يأكل أحدهم رزقه بمهنته وكدّه ، وأما الذين يأكلون أرزاقهم بانتظار فالتجار ينتظر أحدهم على نفاق سلعته ، فهو متعوب القلب معذّب بانتظاره ، وأما الذين يأكلون أرزاقهم بعزّ من غير مهنة ولا انتظار ولا ذلّ ، فالصوفية يشهدون العزيز فيأخذون قسمتهم من يده بعزّة » . قال سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه : « ليس مع الإيمان أسباب ، إنما الأسباب مع الإسلام » قال الشيخ أبو طالب رضي اللّه عنه ، معناه : ليس في حقيقة الإيمان رؤية الأسباب والسكون إليها ، إنما رؤيتها والطمع في الخلق يوجد في مقام الإسلام . وقد عقد المؤلف رحمه اللّه في « لطائف المنن » فصلا في هذا المعنى وجعله لجميع وظائف الآداب الدينية أصلا ومبنى ، فرأينا نقله في هذا الموضع من صواب العمل المتكفّل إن شاء اللّه بنجاح الأمل ، قال رضي اللّه عنه : « اعلم - رحمك اللّه - أن ورع الخصوص لا يفهم إلا قليل ، فإنّ من جملة ورعهم تورّعهم عن أن يسكنوا لغيره أو يميلوا بالحب لغيره ، أو تمتد أطماعهم بالطمع في غير فضله وخيره ومن ورعهم ورعهم عن الوقوف مع الوسائط والأسباب ، وخلع الأنداد والأرباب ، ومن ورعهم ورعهم عن الوقوف مع العادات والاعتماد على الطاعات ، والسكون إلى أنوار التجليات . . . ومن