تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
الوارد عبارة عمّا يرد على القلب عن المعارف الربانية واللطائف الروحانية ليطهره بذلك ويزكّيه حتى يصلح بذلك للورود عليه والدخول إلى حضرته ؛ لأن الحضرة منزّهة عن كل قلب متكدّر بالآثار متلوّث بأقذار الأغيار ، فإذن إنما أورده عليك لتكون به عليه واردا .

أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد الأغيار ، وليحررك من رق الآثار .

الآثار والأغيار غاصبة ومسترقة لك ، وذلك لوجود حبك لها وسكونك إليها ، واعتمادك عليها ، فإنما أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد من غصبك ، وليحررك من ملكية من استرقّك ، والإشارة إلى هذا المعنى بما ضرب اللّه تعالى من المثل للكافر في قوله :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا
[ الزمر : 29 ] فمن سلم من يد الأغيار ، وحرّر من رق الآثار لا يكون لمخلوق فيه نصيب ولا شركة ، وكان سلما « 1 » للّه عزّ وجلّ .

أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك .

سجن وجوده هو : شهوده لنفسه ومراعاته لحظّه ، وفضاء شهوده : أن يغيب عن ذلك بشهوده عظمة اللّه تعالى وجلاله ورؤية قيام حركاته وسكناته به ، قال أبو القاسم النصراباذي « 2 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « سجنك نفسك إذا خرجت منها وقعت في راحة الأبد » وسيأتي من كلام المؤلف في معنى قوله : سجن وجودك ( الكائن في الكون ولم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحيطاته ومحصور في هيكل ذاته ) .

الأنوار مطايا القلوب والأسرار .

أنوار الإيمان واليقين مطايا حاملة لأسرار القلوب إلى حضرة علّام الغيوب ، وتلك هي الواردات المذكورات .

النور جند القلب ، كما أن الظلمة جند النفس ، فإذا أراد اللّه أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم والأغيار .

نور التوحيد واليقين ، وظلمة الشرك والشكّ جندان للقلب والنفس ، والحرب
هامش
( 1 ) السّلم : الاستسلام والخضوع . ( 2 ) هو أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر آباذي ( توفي 369 ه / 979 م ) شيخ خراسان في وقته ، صحب دلف الشبلي وأبا علي الروذباري والمرتعش ، وجاور بمكة المكرمة حرسها اللّه تعالى ، وكان عالما بالحديث كثير الرواية . ( الرسالة القشيرية ص 437 - 438 ) .