ومن كلامهم : الوقت سيف ، أي : كما أنّ السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ويجريه غالب .
وقيل : السيف ليّن مسّه ، قاطع حدّه ؛ فمن لاينه سلم ، ومن خاشنة اصطلم « 1 » ، كذلك الوقت : من استسلم لحكمه نجا ، ومن عارضه بترك الرضا انتكس وتردّى « 2 » .
وأنشدوا في ذلك :
وكالسيف إن لا ينته لان مسّه * وحدّاه إن خاشنته خشنان
ومن ساعده الوقت : فالوقت له وقت .
ومن ناكده الوقت : فالوقت عليه مقت » « 3 » . هذا كلام الإمام أبي القاسم ، وهو موافق لما ذكره صاحب الكتاب ، واللّه الموفق .
إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس .
إذا كان العبد متلبّسا بحال من أحوال دنياه ، وكان له فيها شغل يمنعه من العلم بالأعمال الصالحة وأحال ذلك العمل على فراغه من تلك الأشغال وقال : « إذا تفرغت عملت » فذلك من رعونة نفسه .
والرعونة : ضرب من الحماقة ، وحماقته من وجوه :
الأول : إيثاره الدنيا على الآخرة ، وليس هذا من شأن عقلاء المؤمنين ، وهو خلاف ما طلب اللّه منه ، قال اللّه تعالى :
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ الأعلى : 17 ] .
والثاني : تسويفه بالعمل إلى أوان فراغه ، وقد لا يجد مهلة ، بل يختطفه الموت قبل ذلك ، أو يزداد شغله ؛ لأن أشغال الدنيا يتداعى بعضها إلى بعض ، كما قيل :
فما قضى أحد منها لبانته * ولا انتهى أرب إلّا إلى أرب « 4 »
والثالث : أن يفرغ منها إلى الذي لا يرضيه من تبدّل عزمه وضعف نيّته ، ثم فيه من دعوى الاستقلال ورؤية الحول والقوة في جميع الأحوال ما يستحقر في جنبه جميع هذا ، بل الواجب عليه أن يبادر إلى الأعمال على أي حال كان ، وأن ينتهز فرصة الإمكان قبل مفاجأة الموت وحلول الفوت ، وأن يتوكّل على اللّه تعالى في تيسّرها عليه ، وصرف الموانع
هامش
( 1 ) اصطلم : استؤصل .
( 2 ) انتكس : وقع على رأسه . تردى : وقع في الهلاك .
( 3 ) المقت : أشد البغض .
( 4 ) اللّبانة : الحاجة ، وما يطلبه المرء عن رغبة وشهوة ( ج ) لبانات ولبان .