إلهي أغنني بتدبيرك لي عن تدبيري وباختيارك لي عن اختياري وأوقفني على مراكز اضطراري .
المنفرد بالتدبير والاختيار والمشيئة والاقتدار هو اللّه عزّ وجلّ ، فمن كان له دعوى في شيء من ذلك فقد نازع للّه تعالى في ربوبيته وخلع عن عنقه ربقة عبوديته ، فلذلك سأله وطلب منه أن يغنيه عن تدبيره واختياره ، وأن يوقفه على مراكز اضطراره ليكون متحققا بصفاته ، ومتعلّقا بصفات مولاه . وقد تقدّم هذا المعنى غير مرّة . والمراكز :
مواضع الاستقرار والثبوت ، وهي استعارة حسنة .
إلهي أخرجني من ذل نفسي .
ذلّ النفس الذي طلب الإخراج منه هو ذلّها لغير اللّه تعالى بالطمع والحرص . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله [ ما بسقت « 1 » أغصان ذلّ إلّا على بذر طمع ] .
وطهرني من شكيّ وشركي قبل حلول رمسي .
الشك والشرك هما سبب وجود الطمع والحرص الموجبين لوقوع الذل والهوان وهذه الأوصاف كلّها مجانبة لحقائق الإيمان والتوحيد ، عاقانا اللّه منها ، والشكّ : ضيق الصدر عند إحساس النفس بأمر مكروه يصيبها ، فإذا ضاق صدره بسبب ذلك أظلم قلبه وأصابه من أجله الهمّ والحزن . وطهارته منه إنما تكون بوجود ضدّه ، وهو اليقين ، فبه يتسع الصدر وينشرح ، ويزول عنه الحرج والضيق . وبقدر احتظاء القلب من نور اليقين يكون انشراح الصدر واتساعه ، وعند ذلك يجد القلب الرّوح والفرح باللّه تعالى .
وبفضله ، وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه تعالى بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الهمّ والحزن في الشك والسخط » « 2 » .
والشرك : تعلق القلب بالأسباب عند غفلته عن المسبب ونسيانه له ، تعلّق العبد بالشّرك ، ويكون مبدأ ذلك هيجان الشهوة عند استيلاء ظلمة الشك على القلب فيحلوله حينئذ الهوى ، فيفزع إذ ذاك إلى الأسباب التي يتوصّل بها إلى بغيته إلا لا يرى غيرها فيرتبك من أجل ذلك حبائل الشرك ، وطهارته منه بضدّه وهو : نور التوحيد الذي يقذفه الحق تعالى في قلبه فتطمئن بذلك نفسه وتسكن عن الشره والطيش الذي أصابها . وكلما قوى نور التوحيد في قلبه كان خلاصه من الشكر أكثر فتحمى عنه الأسباب ، ويثتب فيه خالص التوحيد .
هامش
( 1 ) بسق النخل وغيره : طال أو تمّ ارتفاعه .
( 2 ) أخجره الطبراني في ( المعجم الكبير 10 / 266 ) .