الاحتياج إليه والتعلّق به ، والسؤال والطلب منه في كل حال من أحواله ، كما قال بعضهم :
إنّي إليك مدى الأنفاس محتاج * لو كان في مفرقي الإكليل والتّاج
وهذا منه دليل على تحققه في مقام العبودية التي اقتضتها عظمة الربوبية .
وتقديمه لهذه المعاني بين يدي دعائه ومناجاته في غاية الحسن . قال سيدي أبو الحسن رضي اللّه عنه : « ما طلبت من اللّه شيئا إلّا وقدّمت إساءتي أمامي » يريد رضي اللّه عنه : لا يطلب من اللّه شيئا بوصف يستحق به العطاء ، بل لا يكون طلبه وجود فضله إلّا بفضله .
وقال أبو عثمان ، رضي اللّه تعالى عنه ، في قوله تعالى :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[ الأعراف : 55 ] التضرّع في الدعاء : أن لا تقدّم إليه أفعالك وصلواتك وصيامك وقيامك وقراءتك ثم تدعو على أثره ، إنما التضرّع أن تقدّم إليه افتقارك وعجزك وضرورتك وفاقتك وقلّة حيلتك ثم تدعو بلا علاقة ولا سبب فيرفع دعاؤك .
وقال الواسطي ، رضي اللّه تعالى عنه : « تضرّعا ، بذلّ العبودية وخلع الاستطالة » .
وقال سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه عنه : « ما أظهر عبد فقره إلى اللّه تعالى في وقت الدعاء في شيء يحلّ به إلّا قال اللّه لملائكته : « لولا أنه لا يحتمل كلامي لأجبته : لبيك » .
إلهي إن اختلاف تدبيرك وسرعة حلول مقاديرك منعا عبادك العارفين بك عن السكون إلى عطاء ، واليأس منك في بلاء .
تلوين الأحكام على العباد يقتضي أن لا يساكنوا حالا سارة يكونون عليها ، ولا ييأسوا في حال ضارة تنزل بهم من وجود الفرح والراحة . وهذا محض تعلّق باللّه عزّ وجلّ ، وهو نعت العارفين .
إلهي مني ما يليق بلؤمي ، ومنك ما يليق بكرمك .
لؤم العبد الذي ركّب عليه يقتضي منه مبارزة مولاه بالعظائم والكبائر .
وكرم المولى الذي هو متّصف به يقتضي منه التجاوز والعفو عن عبده وقبول عذره .
وهذا الكلام من ألطف وجوه السؤال والرغبة . وهو من آداب الدعاء .
يحكى أن رجلا قال لبعض الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام : قل له : كم أخالفه وأعصيه وهو لا يعاقبني ! ! فأوحى اللّه تعالى إلى ذلك النبي : قل لفلان : لتعلم أنّي أنا ،