الذين يعبدون اللّه تعالى ويشكرونه خوفا من عقابه ورجاء لثوابه .
وإنما الشكر التام في الفرح الثالث : وهو أن يكون فرح العبد بنعم اللّه عز وجل من حيث إنه يقدر بها على التوصل إلى القرب منه والنزول في جواره والنظر إلى وجهه على الدوام ، فهذه هي المرتبة العليا .
وأماراته : أن لا يفرح من الدنيا إلا بما هو مزرعة للآخرة ، ويعينه عليها ، ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر اللّه تعالى ، وتصده عن سبيله ؛ لأنه ليس يريد النعمة لأنها لذيذة ، كما لم يرد صاحب الفرس [ الفرس ] ؛ لأنه جواد ومهملج « 1 » بل من حيث إنه يحمله في صحبة الملك حتى تدوم مشاهدته له وقربه منه ، ولذلك قال الشبلي ، رضي اللّه عنه :
« الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة » ، ولذلك قال الخواص رضي اللّه عنه : « شكر العامة على المطعم والملبس والمشرب ، وشكر الخاصة على واردات القلوب » . وهذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت عنده اللذات في البطن والفرج ومدركات الحواس من الألوان والأصوات ، وخلا عن لذة القلب ، فإن القلب لا يلتذ في حالة الصحة إلا بذكر اللّه تعالى ومعرفته ولقائه ، وإنما يلتذ بغيره إذا مرض بسوء العادات كما يلتذ بعض الناس بأكل الطين ، وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة ويستحلى الأشياء المرة ، كما قيل :
ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرّا به الماء الزّلالا « 2 »
فإذن هذا هو شرط الفرح بنعمة اللّه عزّ وجلّ ، فإن لم تكن له إبل فمعزى فإن لم يكن هذا فالدرجة الثانية .
أما الأولى فخارجة عن كل حساب ، فكل من فرق بين من يريد الملك للفرس ومن يريد الفرس للملك ، وكم من فرق بين من يريد اللّه عزّ وجلّ لينعم عليه ، وبين من يريد نعم اللّه تعالى ليصل بها إليه » انتهى كلام الإمام أبي حامد الغزالي وهو في غاية البيان والوضوح ، وهو كالتفسير لما ذكره المؤلف رحمه اللّه تعالى ، ولذلك أوردته هاهنا بكماله .
وقد أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام يا داود قل للصديقين بي فليفرحوا ، وبذكري فليتنعموا .
بهذا تحققت صديقيتهم ، وعلا ارتفاع رتبتهم على من دونهم . قيل : إن عتبة الغلام دخل في بعض الأيام على رابعة العدوية ، رضي اللّه عنها ، وعليه قميص جديد وهو
هامش
( 1 ) هملج الجواد : مشى مشية حسنة في سرعة وبخترة .
( 2 ) الزلال من الماء أو الشراب : العذب البارد الصافي السهل المرور في الحلق .