زعموا ؛ فإن المجذوب طويت الطريق له ولم تطو عنه ، ومن طويت له الطريق لم تفته ولم تغب عنه ، وإنما فاته متاعبها وطول أمدها .
والمجذوب كمن طويت له الطريق إلى مكة . والسالك كالسائر إليها على أكوار « 1 » المطايا » انتهى ما ذكره في حال الجذب والسلوك . وهو حسن قلّ أن يوجد لغيره ، فلذلك أوردته هاهنا بكماله .
ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود وفكر .
أعمال الظاهر تكون تبعا لما يكون في الباطن وقد تقدم هذا المعنى عند قوله :
( ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر ) فالذكر الظاهر لا محالة ثمرة باطن الشهود والفكر . ثم بين هذا المعنى بقوله :
أشهدك من قبل أن يستشهدك فنطقت بإلهيته الظواهر ، وتحققت بأحديته القلوب والسرائر .
كاشف اللّه تعالى القلوب والأسرار في غيب الغيب بحقائق وحدانيته وإحاطة قيوميّته ، فلمّا أشهدها ذلك اضمحلت وتدكدكت وتلاشت ، فتحققت بذلك الأحدية ، فلما أظهرها في عالم الشهادة ملتبسة بالأجسام والهياكل طلب منها الشهادة له بالإلهية ، فشهدت بلسان حالها ومقالها ، فكانت الشهادة منها لما استشهدت تبعا لشهودها لما أشهدت ، فالعبد من حيث سرّه وقلبه بوصف الجمع ، ومن حيث ظاهره وجسمه بنعت الفرق . ولا بد في هذا الطريق من وجود الجمع والفرق . وقد قالوا : « كل جمع بلا تفرقة زندقة ، وكل تفرقة بلا جمع تعطيل » .
وقال الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه في معنى الجمع والتفرقة :
فتحققتك في سرّي فناجاك لساني * فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان
إن يكن غيّبك التعظيم عن لحظ عياني * فلقد صيّرك الوجد من الأحشاء داني
وذهب الجنيد رضي اللّه عنه إلى أن قربه بالوجد جمع ، وغيبه في البشرية تفرقة .
أكرمك بكرامات ثلاث : جعلك ذاكرا له . ولولا فضله لم تكن أهلا لجريان ذكره عليك وجعلك مذكورا به إذ حقق نسبته لديك ، وجعلك مذكورا عنده فتمم نعمته عليك .
أكرم اللّه تعالى عبده المؤمن بثلاث كرامات جمع له فيها كلّ المفاخر والمحامد .
أولها : كونه ذاكرا له ، بأن أجرى ذكره على قلبه ولسانه ، ومن أين له ذلك ؟ وبأي
هامش
( 1 ) أكوار : ( ج ) كور : الرّحل ، وهو ما يجعل على ظهر الجمل كالسّرج .