والغرض من هذا : الرد على طوائف غلطت في هذا الأمر ، وتغالت ، وزعمت أن القرب من اللّه تعالى والوصول إليه إنما يكون بعدم أوصاف البشرية وزوالها بالكلية ، واتصافه بصفات الربوبية بدلا منها ، وفسرت بهذا ما عبّر به المشايخ من « الفناء » و « البقاء » فوقعوا من ذلك في ضلال وتزندق . نعوذ باللّه من ذلك . والمعنى الصحيح من ذلك إنما هو ما ذكره المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، ورضى عنه ، هاهنا .
دل بوجوده آثاره على وجود أسمائه ، وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه ، وبثبوت أوصافه على وجود ذات ، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه .
فأرباب الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته ، ثم يردهم إلى شهود صفاته ، ثم يرجعهم إلى التعلق بأسمائه ، ثم يردهم إلى شهود آثاره .
والسالكون على عكس هذا .
نهاية السالكين بداية المجذوبين .
وبداية السالكين نهاية المجذوبين .
لكن لا بمعنى واحد ، فربما التقيا في الطريق هذا في ترقيه ، وهذا في تدليه .
عباد اللّه المخصوصون بالقرب منه ، والوصول إليه ينقسمون إلى قسمين : سالكين ومجذوبين .
فشأن السالكين الاستدلال بالأشياء عليه ، وهم الذين يقولون ما رأينا شيئا إلا ورأينا اللّه بعده .
وشأن المجذوبين الاستدلال به على الأشياء ، وهم الذين يقولون ما رأينا شيئا إلا رأينا اللّه قبله .
ولا شك أن الدليل أبدا أظهر من المدلول . فأما ما ظهر للسالكين الآثار ، وهي الأفعال ، فاستدلوا بها على الأسماء ، وبالأسماء على الصفات ، وبالصفات على وجود الذات ، فكان حالهم الترقي والصعود من أسفل إلى أعلى .
وأول ما ظهر للمجذوبين حقيقة كمال الذات المقدسة ، ثم ردّوا منها إلى مشاهدة الصفات ، ثم رجعوا إلى التعلق بالأسماء ثم أنزلوا إلى شهود الآثار . فكان حالهم التدلي والتنزل من أعلى إلى أسفل .
فما بدأ به السالكون من شهود الآثار إليه انتهاء المجذوبين .
وما ابتدأ به المجذوبون من كشف حقيقة الذات إليه انتهاء السالكين . لكن لا بمعنى