المراتب السامية اللائقة به ، وذلك بإخلاص العبودية لربّه عزّ وجلّ ، وقطع النظر عن كلّ ما سواه ، وينظر في هذا المعنى إلى ما قاله الشاعر :
إذا كنت كرسيا وعرشا وجنّة * ونارا وأفلاكا وأحلاكا
وكنت من السرّ المصون سريرة * وأدركت هذا بالحقيقة إدراكا
ففيم التأنّي في الحضيض تثبطا * مقيما مع الأسرى أما حان إسراكا
كان الشيخ أبو العباس المرسي ، رضي اللّه عنه ، يقول : « الأكوان كلّها عبيد مسخرة لك ، وأنت عبد الحضرة » .
وقد ورد في بعض الكتب المنّزلة : « يا ابن آدم أنا بدّك اللازم فالزم بدكّ » .
وفي بعض الآثار المرويّة عن اللّه عزّ وجلّ : « يا ابن آدم خلقت الأشياء كلّها من أجلك ، وخلقتك من أجلى ، فلا تشتغل بما هو لك عن ما أنت له » .
وقال الواسطي ، رحمه اللّه تعالى ، في معنى قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
[ الإسراء : 70 ] قال : بأن سخرنا لهم الكون وما فيه ؛ لئلا يكونوا في تسخير شيء ، ويتفرغوا إلى عبادة ربّهم » .
إنما وسعك الكون من حيث جسمانيتك ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك .
إنما وسعك الكون من حيث جسمانيتك لوجود المناسبة والمجانسة ، ووسعه لك ، باعتبار ما ذكرناه ، إنما هو باكتفائك به ، وقضاء أوطارك منه ، ووقوف أملك في نيل حاجاتك عليه . ولا خاصيّة لك في ذلك أيها الإنسان ؛ لأن مرتبتك أجلّ من ذلك .
وإنما لم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك ؛ لعدم المناسبة ، فلا يسعك حينئذ ولا يناسبك إلّا بالتعلّق بالمكوّن ، وهذه خاصيتك التي فيها سموّك وعلوّك ورفعة قدرك ، فلم تهملها وتنحط منها إلى أسفل سافلين ! !
قال أبو عبد اللّه بن الجلاء « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « من علت همته عن الأكوان وصل إلى مكوّنها ، ومن وقف بهمته على شيء سوى الحق فاته الحق لأنه أعزّ من أن يرضى معه شريكا » .
وسئل أحمد بن خضرويه عن أيّ الأعمال أفضل ؟ فقال : رعاية السرّ عن الالتفات إلى شيء سوى اللّه » .
هامش
( 1 ) هو أبو عبد اللّه أحمد بن يحيى الجلاء ، بغدادي الأصل ، أقام بالرملة ودمشق ، وكان من أكابر مشايخ الشام ، صحب أبا تراب وذو النون المصري ( الرسالة القشيرية ص 403 ) .