وجاء حديث لا يملّ سماعه * شهيّ إلينا نثره ونظامه
إذا سمعته النفس طاب نعيمها * وزال القلب عن المعنيّ غرامه
وأنشدوا في معناه أيضا ، رضي اللّه عنهم أجمعين :
قولي لآمالي ألا فابعدي * قد أنجز الأحباب لي موعدي
قد كنت قبل اليوم مستأنسا * منك بخلّ مشفق مسعد
إذا نسيم الوصل من نحوهم * هبّ فلي عندك ظل ندى
وحيث إن لاحت لي أعلامهم * فليس لي فقر إلى مرشدي
وإن لم يجدها في نفسه فليستمر على سلوكه ومجاهداته ، ولا يغتر بما قد يتراءى له من سنّي حالته ؛ فإنه لم يصل بعد ، ولم يحصل له من هوى نفسه فقد ، وليس طريق موت النفس بقطع جميع الإرفاق عنها ، وردّها إلى الاجتزاء بالخشن والنخالة والمبالغة في التقشّف ، والتقلّل مع قطع النظر عن أحوال القلب ، وهممه ، وقصوره ، وإراداته ، وترك الالتفات إلى ما يحمد منها وما يذمّ ، فذلك كلّه غلوّ وبدعة ، وقد غلط في ذلك طوائف من الناس عملوا عليه في رياضاتهم ومجاهداتهم ، ولم يقصدوا بذلك إخلاص العبودية لربّهم ، فأدّاهم ذلك إلى اختلال عقولهم ، وانحلال قوى أبدانهم ، ولم يحصلوا من أمرهم على فائدة ، وذلك لجهلهم بالسنّة وما كان عليه سلف هذه الأمة .
جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته وأنك جوهرة تنطوي عليك أصداف مكوّناته .
خلق اللّه تعالى الإنسان في أحسن تقويم ، وأتمّ تسوية وتعديل ، وجعل بنيته متضمنة أسرار جميع الموجدات علويّها ، وسفلّيها ، لطيفها وكثيفها ، فصار لذلك روحانيا جسمانيا أرضيا سماويا ؛ ولذلك يقال له « العالم الأصغر » وهذا هو الذي يظهر لي في معنى جعله في العالم المتوسط بين عالم الملك وعالم الملكوت .
وعالم الملك هو عالم الشهادة . وعالم الملكوت هو عالم الغيب . فلا جرم لمّا كان الإنسان بهذه المثابة من كونه نخبة جميع الموجدات الجسمانيات والروحانيات كانت الأكوان كلّها له باعتبار إحاطتها به وحفظها له بمنزلة القشر والصوان « 1 » الذي يحفظ الشيء ويصونه ، وكان هو بمنزلة الجوهرة النفيسة التي تحويها الصدفة « 2 » .
والمقصود من هذا أن يعرف الإنسان جلالة قدره ، وفخامة أمره فيعلو بهمته إلى
هامش
( 1 ) الصوان : الخزانة التي توضع فيها الكتب أو الثياب صونا لها من التلف ( ج ) أصونة .
( 2 ) الصدفة : واحدة الصدف وهو غلاف يابس متصلب يغطي اللؤلؤ .