فإذا وفّق اللّه العالم من العلماء للإقبال على اللّه وعلى أوامره ، والإعراض عن الدنيا وما فيها ومن فيها :
فأوّل ما يلزمه أن يعرف نعم اللّه عليه في ذلك ويقوم بواجب الشكر ، ويزيد تواضعا واجتهادا ، ويعلم أنه محمول على ذلك ، وأن ذلك بتوفيق من اللّه تعالى ، لا بمجاهدة منه ؛ فإنّ مجاهدته أيضا ومعرفته لنعم اللّه عليه بزيادة توفيق اللّه .
فإذا كان العامل بهذا المحل من الدين كان إماما يقتدى به في أحكام الظاهر وأحوال الباطن ، يهتدي بنوره كلّ من صحبه ، ويستضيء بعلمه كلّ من اتّبعه ويكون حجّة للّه على عباده ، وبركة في بلاده .
ومن قاده علمه إلى طالب الدنيا وطلب العلوّ فيها ، وطلب اتّباع الرياسة واستتباع الخلق فهو العلم الذي هو غير النافع ، وهو المغترّ به ، ولا حسرة أعظم من أن يهلك العالم بما يرجو به نجاته . ونحن نعوذ باللّه من الخذلان » انتهى . ثم عبّر المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، بعبارة أخرى من معنى ما تقدّم فقال :
العلم إن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك .
العلم الذي تلازمه الخشية لك ؛ لأنك تنتفع به في دنياك وآخرتك . وليس ذلك إلا ما ذكرناه .
والعلم الذي لا خشية فيه عليك ، لأنك تستضرّ به فيهما .
وهذا هو الفرق بين علماء الآخرة وعلماء الدنيا ، من حيث إنّ علماء الآخرة موصوفون بالخشية والرهبة ، وعلماء الدنيا موسومون بالأمن والغرّة .
وقد بيّن علماؤنا ، رضي اللّه عنهم ، حال الفريقين وأوضحوا أمرهم بالنعوت والعلامات ، وأطالوا في ذلك النفس ، لما شاهدوا من انتشار الفساد في الأرض بسبب جهل الناس بالعلم النافع أيّ شيء هو ! !
فمن أراد الشفاء في ذلك واستيفاء الكلام عليه ، وما في ذلك من الأخبار والآثار فعليه بالنظر في كتاب « العلم » من كتاب « إحياء علوم الدين » « 1 » لأبي حامد الغزالي ، رضي اللّه تعالى عنه ، ولباب ذلك ما ذكره المؤلف ، رحمه اللّه ، هاهنا .
وقد قال الفضيل بن عياض ، رضي اللّه عنه : « كان العلماء ربيع الناس إذا نظر إليهم
هامش
( 1 ) كتاب « إحياء علوم الدين » من أجل كتب المواعظ وأعظمها ، وهو مرتب على أربعة أقسام ربع العبادات وربع العادات المهلكات وربع المنجيات في كل منها عشرة كتب ( كشف الظنون 1 / 23 ) .