العمل الذي لا يجد صاحبه حضورا فيه ينبغي له أن لا ييأس من قبوله فإن ذلك إلى اللّه تعالى ، فقد يقبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلا من وجدان حضور أو حلاوة أو غير ذلك ، ولو لم يكن إلّا قصد التقرب به وسقوطه عن نظره وقد تقدّم التنبيه على هذا المعنى عند قوله : ( لا عمل أرجى للقلوب ) .
لا تزكين واردا لا تعلم ثمرته ، فليس المراد من السحابة الإمطار ، وإنما المراد منها وجود الإثمار .
الوارد مراد لثمرته ، لا لوجدان حظ نفسك منه ، كما أن السحابة مرادة لوجدان الإثمار الذي اقتضاه وجود إمطارها ، لا لمجرد وجود إمطارها .
وثمرة الوارد إنما هي تأثّر القلب به ، وتبدّل صفاته المذمومة بصفات محمودة كما تقدّم .
فإن لم تعلم وجود هذا فيك فلا تزك الوارد ، ولا تفرح به ؛ فإن في ذلك نوعا من الاغترار ، وانخداعا بلبسة الإظهار ، فكن على حذر منه .
لا تطلبن بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها وأودعت أسرارها فتلك فلك في اللّه غنى عن كل شيء وليس يغنيك عنه شيء .
أنوار الواردات المنبسطة على العبد هي : تكيّف ظاهره وباطنه بكيفيات العبودية وأسرارها المودعة فيه بما لاح له من عظمة الربوبية ، فإذا أفادك الوارد هذه الفوائد فلا تطلبن بقاءه في حال كونه ، ولا تأس على فقده إذا فقدته ؛ فإن لك في اللّه غنى عنه وعن غيره ، وليس لك غنى عن اللّه تعالى في شيء من الأشياء كما قال الشاعر :
لكل شيء إذا فارقته عوض * وليس للّه إن فارقت من عوض
قال أبو عبد اللّه بن عطاء اللّه ، رضي اللّه عنه : « إياك أن تلاحظ مخلوقا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا » . ويدخل في هذا المعنى الذي ذكره ابن عطاء اللّه ، رضي اللّه عنه جميع الأغيار ، والأنوار ، والمقامات ، والأحوال ، والدنيا ، والآخرة ، والنعم الباطنة والظاهرة .
فلا تلاحظ شيئا من ذلك ولا تركنن إليه ، ولا تعتمد عليه ، بقي أو ذهب ؛ فإن ذلك قادح في إخلاص التوحيد .
قال في « التنوير » : « واعلم أن الباري - سبحانه - إنما يدخلك في الحال لتأخذ منها ، لا لتأخذ منك ، وإنما جاءت تحمل هدية التعريف من اللّه إليك فيها ، فتوجّه إليها باسمه « المبدىء » فأبداها وأبقاها ، حتى إذا أوصلت إليك ما كان لك فيها ، فلما أدّت الأمانة توجّه إليها باسمه « المعيد » فأرجعها وتوفّاها فلا تطالبنّ بقاء رسول بعد أن بلّغ