تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩

وصولك إلى اللّه وصولك إلى العلم به وإلا فجلّ ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء .

الوصول إلى اللّه تعالى الذي يشير إليه أهل هذه الطريقة هو الوصول إلى العلم الحقيقي باللّه تعالى . وهذا هو غاية السالكين ، ومنتهى سير السائرين . وأما الوصول المفهوم بين الذوات متعال عنه . وقال الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير ، هيهات ! ! هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ولا وهم ، ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان » . قال الشيخ أبو حفص عمر بن محمد بن عبد اللّه السهروردي ، صاحب كتاب « عوارف المعارف » رحمه اللّه تعالى : « واعلم أن الاتصال والمواصلة أشار إليهما الشيوخ وكلّ من وصل إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجدان ، فهو رتبة في الوصول ، ثم يتفاوتون ؛ فمنهم من يجد اللّه بطريق الأفعال ، وهو رتبة في « التجلّي » فيفنى فعله وفعل غيره لوقوفه مع فعل اللّه تعالى ، ويخرج في هذه الحالة عن التدبير والاختيار ، وهذه رتبة في « الوصول » . ومنهم من يقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشفه قلبه من مطالعة الجمال والجلال ، وهذا تجلّ بطريق الصفات وهو رتبة في « الوصول » ومنهم من يرتقي إلى مقام « الفناء » مشتملا باطنه أنوار اليقين والمشاهدة معمّى في شهوده عن وجوده ، وهذا ضرب من تجلّى الذات لخواصّ المقرّبين . وهذه رتبة في « الوصول » . وفوق هذا رتبة « حق اليقين » ويكون من ذلك في الدنيا « لمح » وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى تحظى بها روحه وقلبه وهذا من « أعلى مراتب الوصول » . فإذا تحققت الحقائق بعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه في أوّل المنزل فأين الوصول ؟ هيهات ! ! منازل طريق الوصول لا تنقطع أبد الآباد في عمر الآخرة الأبديّ ، فكيف بالعمر القصير الدنيوي ؟ ! !

قربك منه أن تكون مشاهدا لقربه ، وإلا فمن أين أنت ووجود قربه .

القرب الحقيقي قرب اللّه منك ، قال اللّه تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[ البقرة : 186 ]
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
[ الواقعة : 85 ] وقال عزّ من قائل :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ ق : 16 ] . وحظّك من ذلك إنما هو مشاهدتك لقربه فقط فتستفيد بهذه المشاهدة شدّة المراقبة وغلبة الهيبة والتأدّب بآداب الحضرة ، وأمّا أنت فلا يليق بك إلّا وصف العبد وشهوده من نفسك كما يقول المؤلف