إليه في قوله تعالى :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] أمارة وعلامة على تلك العناية ، وليس بعلة موجبة .
وإنما أسند الرحمة إليه وعلّقها به ؛ لئلا يتكل العباد على السابقة ويتركوا العمل الذي هو مقتضى العبودية الواجبة للّه تعالى عليهم .
إلى المشيئة يستند كل شيء .
لأن وقوع ما لم يشأ الحقّ تعالى محال .
ولا تستند هي إلى شيء .
لاستحالة وجود النقص فيما يجب له من الكمال .
وهذه العبارات التي ذكرها المؤلف رحمه اللّه من أوّل الفصل إلى هنا بلغت الغاية في الحسن ، واستغنت بتردادها وتكرارها عن البيان والشرح ، وفيها إشارة إلى أحكام الأزل ، وفقد الأسباب والعلل ، فيجب على العبد أن يبنى عليها أعماله وأحواله ؛ فيلتزم العبودية والافتقار ، ويدع التدبير والاختيار لمن بيده ذلك ، وهذا هو أدب التوحيد جعلنا اللّه من أهله بمنّه وفضله وكرمه .
قال أبو بكر محمد بن موسى الواسطي ، رضي اللّه عنه : « إن اللّه لا يقرّب فقيرا لأجل فقره ، ولا يبعد غنيا لأجل غناه ، وليس للأعراض عنده خطر ، حتى بها يصل ، وبها يقطع ، ولو بذلت له الدنيا والآخرة ما أوصلك إليه بهما ، ولو أخذتهما كلهما ما قطعك بهما ، قرّب من قرب من غير علّة ، وقطع من قطع من غير علّة ، كما قال تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النور : 40 ] .
وقال أيضا رضي اللّه عنه : « ما خالفه أحد ولا وافقه وكلهم مستعملون بمشيئته وقدرته ، أنّى يكون له الوفاق والخلاف وهو يقلّب الليل والنهار بما فيهما وهو قائم على الأشياء وبالأشياء في بقائها وفنائها لا يؤنسه وجد ولا يوحشه فقد ، بل لا فقد ولا وجد ، وإنما هي رسوم تحت الرسوم .
ربما دلهم الأدب على ترك الطلب اعتمادا على قسمته واشتغالا بذكره عن مسألته .
قد يكون من الأدب ترك السؤال والطلب لمن هو مستغرق في الأذكار ، راض بما يجري عليه من تصاريف الأقدار ، وهو أحد مذاهب القوم . قال : الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « واختلف « 1 » الناس في أيّ شيء أفضل : الدعاء أم
هامش
( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 265 باب الدعاء .