الناس على السيء من عمله ؛ فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحبّ الزيادة عندهم ، وليس هذا من أخلاق الصادقين » .
من عرف الحق شهده في كل شيء .
فلا يستوحش من شيء ، ويستأنس به كلّ شيء . كما تقدم من نعت العارفين .
ومن فني به غاب عن كل شيء .
فلا يكون منه على الأشياء اعتماد ، ولا له إليها استناد .
ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئا .
من مراداته وشهواته .
وهذه الأمور التي ذكرها المؤلف ، رحمه اللّه ، هي من علامات بلوغ هذه المقامات العليّة ، وبها تصح وتكمل ؛ فمن لم يجدها في نفسه ، فلا ينبغي له أن يدّعي تلك المقامات ، وليعمل على مجاهدة نفسه فيما يصححها ويكمّلها .
إنما حجب الحق عنك شدة قربه منك .
شدّة القرب حجاب ، كما أن شدّة البعد حجاب ؛ لأن شدّة قربه منك موجبة لاضمحلالك وذهابك ، والمضمحلّ الذاهب لا مناسبة بينه وبين الثابت الموجود ، فكيف يراه ؟ قال في « لطائف المنن » : « فعظيم القرب هو الذي غيّب عنك شهود القرب ، قال الشيخ أبو الحسن : حقيقة القرب أن تغيب في القرب عن القرب لعظيم القرب ، كمن يشمّ رائحة المسك ، فلا يزال يدنو منها ، وكلما دنا منها تزاد ريحها ، فلما دخل البيت الذي هو فيه انقطعت رائحته عنه ، وأنشد بعض العارفين :
كم ذا تموّه بالشعبين والعلم * والأمر أوضح من نار على علم
أراك تسأل عن نجد وأنت بها * وعن تهامة هذا فعل متهم
إنما احتجب لشدة ظهوره ، وخفي عن الأبصار لعظيم نوره :
هذه عبارة تداولها الناس ، وضربوا لمعناها مثلا بالشمس ؛ وذلك أن الشمس نورها أقوى من سائر الأنوار المحسوسة ، وقوة نورها هي التي حجبت الأبصار الضعيفة عن إدراك كنهها ، فقد صار ظهورها الذي أوجبه وجود نورها حجابا لها . وليس الحجاب على الحقيقة منها ، فإن الظاهر لذاته لا يحجب من ذاته ، وإنما الحجاب عليه من غيره .
والحجاب هاهنا : ضعف البصر عن مقاومة فيضان النور ، فالحق تعالى احتجب عن الخلق بشدة ظهوره ، وخفي عن الأبصار لعظم نوره ، وأنشدوا في هذا المعنى :