تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
قال الأستاذ تاج الدين بن عطاء ، قدّس اللّه سرّه : « معنى كلام الشيخ هذا أن العامة اضطرارهم بمثيرات الأسباب ، فإذا زالت زال اضطرارهم ، وذلك لغلبة دائرة الحسّ على مشهدهم ، فلو شهدوا قبضة اللّه تعالى الشاملة المحيطة لعلموا أن اضطرارهم إلى اللّه تعالى دائم ، وإنما لم يكن له مع غير اللّه قرار لوجود وحشته من الأشياء ونفوره بقلبه عنها ، كما تقدّم ، وكأنه - رحمه اللّه - قصد بهذا أن يعلمك أن ما تقدم له من الاستيحاش من الخلق وانطلاق اللسان بالطلب من الحق نعتان من نعوت العارفين .

أنار الظواهر بأنوار آثاره ، وأنار السرائر بأنوار أوصافه . . لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر ، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ، ولذلك قيل :

إن شمس النهار تغرب بالليل * وشمس القلوب ليس تغيب
أنوار الظواهر التي بها أنارها الحق تعالى ، هي : هي الإدراكات ، والإحساسات ، والحركات التي اتصف بها ظاهر العبد . وأنوار السرائر التي بها أنارها الحق تعالى ، هي : المعارف ، والعلوم ، ولطائف الإدراكات والفهوم التي اشتمل عليها باطنه وسرّه ، فأنوار الظواهر متعلقة بأنوار الآثار الحادثات ، وأنوارها معانيها ولطائفها المستكنّة فيها . وأنوار السرائر متعلقة بأنوار الصفات الأزليات ، ولأجل اختلاف التعلقين في الحدوث والقدم ، والغنى والفقر ، والفناء والبقاء كان ما ذكره المؤلف رحمه اللّه من أفول أنوار ما تعلّق بالحادث الفاني وعدم أفول أنوار ما تعلق بالقديم الباقي ، ثم أنشد المؤلف البيت المذكور مستشهدا به على ما ذكره ، ومعناه بيّن ، وقبله :
طلعت شمس من أحبّ بليل * فاستضاءت ، فما لها من غروب
وفي هذا تنبيه على أن الأمور الباقية هي التي ينبغي أن يغتبط بها ويفرح بحصولها ، ويعتني بتربيتها ، ومراعاة حالها بخلاف الأمور الفانية الآفلة ، وحينئذ يكون العبد على ملّة إبراهيم عليه السلام حيث قال :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
[ الأنعام : 76 ] . ويروى أن رجلا سأل سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه ، عن : القوت ، فقال : هو الحيّ الذي لا يموت . فقال : إنما سألتك عن القوام ! ! فقال : القوام هو العلم ، فقال : إنما سألتك عن الغذاء ! ! فقال : الغذاء هو الذكر ، فقال : إنما سألتك عن طعم الجسد ! ! فقال : مالك وللجسد ، دع من تولّاه أوّلا يتولاه آخرا ، إذا دخلت عليه علة فردّه إلى صانعه ، أمّا رأيت الصنعة إذا عيبت ردّت إلى صانعها حتى يصلحها ؟ وفي معناه أنشدوا :
كمّل حقيقتك التي لم تكمل * والجسم دعه في الحضيض الأسفل « 1 »
هامش
( 1 ) الحضيض : ما سفل من الأرض .