متى أعطاك أشهدك برّه ، ومتى منعك أشهدك قهره ، فهو في كل ذلك متعرف إليك ، ومقبل بوجود لطفه عليك .
المطلوب من العباد أن يعرفوا مولاهم بما هو عليه من الصفات العلية والأسماء الحسنى . ولا سبيل لهم إلى معرفته إلّا بتعرّفه لهم ، وتعرّفه لهم إنما يكون : بما ينزله بهم من النوازل ، ويورده عليهم من الأحكام .
ثم هو على قسمين : ما وافق الهوى والطمع ، ويسمى ذلك « عطاء ومنحا » وما خالفهما ، ويسمى « منعا » .
فبوجود العطاء تشهد صفاته « البريّة » من : الجود ، والكرم ، والإحسان ، واللطف ، والعطف ، وغير ذلك .
وبوجود المنع تشهد صفاته « القهرية » من : الجبر ، والكبرياء ، والعزّة ، والاستغناء .
فينبغي لك أيها العبد أن لا تفرّق بينهما إن أردت معرفة ربك ولم يستغرقك حبّ حظك .
إذن فمنعه لك عطاء على التحقيق ، فهو في كلتا الحالتين منعم عليك ، ومقبل بوجود عطفه إليك .
وهذا هو بيان ما تقدّم من قوله : « متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع هو عين العطاء . . . » واللّه أعلم .
قال سفيان الثوري ، رضي اللّه عنه : « أتيت أبا حبيب البدريّ أسلم عليه ، ولم أكن رأيته ، فقال لي : أنت سفيان الثوري الذي يقال ؟ قال : فقلت نعم ، فنسأل اللّه عزّ وجل بركة ما يقال .
فقال لي : يا سفيان ، ما رأينا خيرا قطّ إلّا من ربنا . قلت : أجل . قال : فما لنا نكره لقاء من لم نر خيرا قطّ إلّا منه ! !
ثم قال : يا سفيان منع اللّه إيّاك عطاء منه لك ؛ وذلك أنه لم يمنعك من بخل ولا عدم ، وإنما منعه نظر منه واختبار يا سفيان إنّ فيك لأنسا ، ومعك شغلا . ثم أقبل على غيمته وتركني .
إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن اللّه فيه .
إذا كان منع اللّه سبحانه وتعالى وعطاؤه نعمتين عظيمتين ، كما ذكرناه الآن ، فينبغي أن يكون في كلتيهما قرّة عين المريد ؛ فإن تألّم بأحدهما وهو المنع وتلذّذ بالآخر وهو