وفي أخبار عيسى عليه السلام : إذا رأيت التقيّ مشغوفا في طلب الرّبّ فقد ألهاه ذلك عما سواه .
ومر عيسى عليه السلام على طائفة من العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشّنان « 1 » البالية ، فقال : من أنتم ؟ فقالوا : نحن عباد اللّه تعالى . فقال : ولأي شيء تعبدتم ؟ قالوا :
خوّفنا اللّه من ناره فخفنا منها . فقال : حقّ على اللّه أن يؤمنكم مما خفتم منه ، ثم جاوزهم ، فمرّ بآخرين أشدّ عبادة منهم ، فقال : لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا : شوّقنا اللّه إلى الجنان وما أعدّ فيها لأوليائه ، فنحن نرجوها ، فقال : حقّ على اللّه أن يعطيكم ما رجوتم ، ثم جاوزهم ، ومر بآخرين يتعبدون فقال : ما أنتم ؟ قالوا : المحبون للّه عزّ وجل لم نعبده خوفا من ناره ، ولا شوقا إلى جنته ، ولكن حبا له ، وتعظيما لجلاله . فقال : أنتم أولياء اللّه حقا ، معكم أمرت أن أقيم ، فأقام بين أظهرهم . وفي لفظ آخر أنه قال للأولين :
مخلوقا خفتم ، ومخلوقا أحببتم ، وقال للآخرين : أنتم المقربون .
قال الشيخ أبو طالب المكي ، رضي اللّه عنه : وممن روي عنه هذا القول وأقيم في هذا المقام جماعة من التابعين . منهم : أبو حازم المدني كان يقول : إني لأستحي من ربي أن أعبده خوفا من العذاب فأكون مثل عبد السوء إن لم يخف لم يعمل . واستحى أن أعبده لأجل الثواب فأكون كالأجير السوء إن لم يعط أجر عمله لم يعمل ، ولكن أعبده محبة له .
قال الشيخ أبو طالب المكي : وقد روينا معنى هذا الكلام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« لا يكن أحدكم كالعبد السوء إن خاف عمل ولا كالأجير السوء إن لم يعط الأجر لم يعمل » .
وقال بعض إخوان معروف رضي اللّه عنه له : أخبرني عنك يا أبا محفوظ ، أي شيء أهاجك على العبادة والانقطاع عن الخلق ؟ فسكت . فقلت : ذكرت الموت ؟ فقال : وأيّ شيء الموت ! ! قلت : فذكرت القبر ؟ قال : وأيّ شيء القبر ! ! فقلت : خوف النار ورجاء الجنّة ؟ فقال : وأيّ شيء هذان من ملك هذا كلّه بيده إن أحببته أنساك جميع هذا ، وإن كان بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا . قال أبو طالب : وحدّثوا عن عليّ بن الموفّق قال :
« رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة فرأيت رجلا قاعدا على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطّيبات وهو يأكل ، ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفّح وجوه قوم ، فيدخل بعضهم الجنة ويردّ آخرين ، قال : ثم جاوزتهما إلى حظيرة القدس ،
هامش
( 1 ) الشّنان : ( ج ) الشنّ : القربة الخلق الصغيرة يكون الماء فيها أبرد من غيرها .