قال أبو طالب المكّي : « فهذه عناية من اللّه لمن وليه من أوليائه المقرّبين منه ؛ فمن شهد الدنيا بأول وصفها لم يغتر بآخره ، وعن عرفها بباطن حقيقتها لم يعجب بظاهرها ، ومن كوشف له بعاقبتها لم يستهوه زخرفها » .
وكان عيسى عليه السلام يقول : ويلكم علماء السوء مثلكم مثل قناة حش « 1 » ظاهرها جصّ « 2 » وباطنها نتن ! !
إن أردت أن يكون لك عزّ لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى .
العزّ الذي لا يفنى : هو الغني عن الأسباب كلها بوجود مسببها ؛ لأنه باق لا يفنى ؛ فالتعلّق به عز لا يفنى .
والعزّ الذي يفنى : هو الغني بالأسباب مع الغيبة عن مسببها ؛ لأنها فانية ، فالتعلّق بها عز فان لا يبقى .
والتعلّق باللّه عزّ لا يفنى وليس لك إلّا أحدهما ، لأنهما ضدان لا يجتمعان ، فإن اخترت العزّ الباقي باللّه تعالى لم يقدر أحد أن يذلك . يحكى أن رجلا أمر بالمعروف لهارون الرشيد « 3 » ، فحرد « 4 » عليه هارون الرشيد ، وكانت له بغلة سيئة الخلق ، فقال :
اربطوه معها تقتله برمحها ، ففعلوا ذلك فلم تضرّه ، فقال : أطرحوه في بيت وطيّنوا عليه الباب ، ففعلوا ذلك فرؤي في بستان وباب البيت مسدود ، فأخبر هارون الرشيد بذلك ، فأتي للرجل فقال : من أخرجك من البيت ؟
فقال : الذي أدخلني البستان . فقال : ومن أدخلك البستان ؟ فقال : الذي أخرجني من البيت . فقال : أركبوه دابة وطوفوا به في البلد وليقل قائل : « ألا إن هارون قد أراد أن يذل عبدا أعزه اللّه فلم يقدر ! ! » .
وإن اخترت العزّ بالأسباب خذلتك وأسلمتك أحوج ما تكون إليها ، وكنت في غاية
هامش
( 1 ) الحشّ : مكان قضاء الحاجة .
( 2 ) الجصّ : طلاء .
( 3 ) هارون الرشيد ( 149 - 193 ه - 766 - 809 م ) بن محمد ( المهدي ) بن المنصور العباسي أبو جعفر ، خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق وأشهرهم . ولد بالريّ ، ونشأ في دار الخلافة ببغداد ، وولاه أبوه غزو الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة إيريني ، وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة 170 ه ، وازدهرت الدولة في أيامه ، وكان عالما بالأدب وأخبار العرب والحديث والفقه وله شعر ، حازما شجاعا كريما . توفي في سناباذ .
( الأعلام 8 / 62 ، والبداية والنهاية 10 / 213 ) .
( 4 ) حرد : غضب .