لبعضهم ، وأنشأ يقول :
قف بالديار ، فهذه آثارهم * تبكي الأحبّة حسرة وتشوّقا
كم قد وقفت بربعها مستخبرا * عن أهلها ، أو سائلا أو مشفقا « 1 »
فأجابني داعي الهوى في رسمها * فارقت من تهوى فعزّ الملتقى « 2 »
وسئل بعض المشايخ عن هذه الزلّة ، فقال : « انبساط مع الحق بغير أدب » .
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « ومن هذا خشي الأكابر والسادة » .
قال في « لطائف المنن » : « البسط مزلّة أقدام الرجال ، فهو موجب لمزيد حذرهم ، وكثرة لجئهم ، والقبض أقرب إلى وجود السلامة ؛ لأنه وطن العبد ، إذ هو في أسر قبضة اللّه وإحاطة الحق محيطة به ، ومن أين يكون للعبد البسط وهذا شأنه ، والبسط حروج عن حكم وقته ، والقبض هو اللائق بهذه الدار ، إذ هي وطن التكليف وإبهام الخاتمة وعدم العلم بالسابقة والمطالبة بحقوق اللّه تعالى » .
قال : وأخبرني بعض الصوفية قال : « رأى شيخنا شيخه في المنام بعد موته مقبوضا ؟ ! فقال له : يا بني ، القبض والبسط مقامان من لم يوفهما في الدنيا وفّاهما في الآخرة ، قال وكان هذا الشيخ الغالب عليه في حياته البسط » انتهى .
البسط تأخذ النفس منه حظها بوجود الفرح ، والقبض لاحظ للنفس فيه .
في هذا إشارة إلى ما تقدّم ، من : أن مراعاة الأدب في البسط أمر عسير ، وذلك أنّ في البسط وجود حظّ النفس ، فيستولي عليها الفرح بذلك ، فلا يتمالك حتى يقع في سوء الأدب ، والقبض ليس فيه حظّ للنفس ، فلذلك كان أسلم .
وكان الأستاذ أبو علي الدّقاق ، رضي اللّه تعالى عنه يقول : « القبض حقّ الحق منك ، والبسط حقّ العبد منه ، ولأن تكون بحقّه منك أتمّ من أن تكون بحظّك منه » .
وأما آداب القبض والبسط فلا أعلم الآن من استوفى الكلام فيهما من علماء الصوفية ومصنّفيهم ، وإنما وجدنا لهم من ذلك إشارات إلى أمور جملية ، كقول الإمام أبي القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه ، بعد أن تكلم على لفظتي : « القبض ، والبسط » وتبيين معانيهما ، إلى أن قال : « وقد يكون قبض يشكل على صاحبه سببه : يجد في قلبه قبضا لا يدري ما موجبه ولا سببه ، فسبيل صاحب هذا القبض التسليم حتى
هامش
( 1 ) الرّبع : الدار .
( 2 ) الرّسم : رسم الدار : ما كان من آثارها لاصقا بالأرض .