أمر اللّه قدرا مقدورا - وجد ، لا محالة ، لذلك مرارة وألما في قلبه . فوجدان هذه المرارة ، والألم في المعصية علامة على صحة ما وجد من الحلاوة والنعيم في الطاعة ، فهذه هي الحلاوة التي هي الميزان للأعمال المقبولة وغير المقبولة كما ذكرناه .
وأما الحلاوة التي يجدها من دون أهل هذه المقام في بعض العبادات فمدخولة معلولة إلّا ما فيها من تنشيط العباد للمواظبة على العبادة .
والحلاوة على الإطلاق إذا وجدها المعامل في العمل لا ينبغي له أن يقف معها ولا يفرح بها ولا يسكن إليها ، وكذلك أيضا لا ينبغي له أن يقصد بعمله إلى نيلها لما له فيها من اللذة والحظ ، فإن ذلك مما يقدح في إخلاص عبادته وصدق إرادته ، وليكن اعتناؤه بحصولها لتكون ميزانا لأعماله ، ومحكا لأحواله فقط .
قال الواسطي ، رضي اللّه تعالى عنه : « استحلاء الطاعات سموم قاتلة » .
قال في « لطائف المنن » : وصدق الواسطي ؛ فأقل ما في ذلك أنك إذا فتح لك باب حلاوة الطاعة تصير قائما فيها متطلبا لحلاوتها فيفوتك صدق الإخلاص في نهوضك لها ، وتحبّ دوامها ، لا قياما بالوفاء بها ولكن لما وجدت من الحلاوة والمتعة ، فتكون في الظاهر قائما للّه ، وفي الباطن إنما قمت لحظ نفسك ، ويخشى عليك أن تكون حلاوة الطاعة جزاء تعجلته في الدنيا فتأتي يوم القيامة ولا جزاء لك » .
إذا أرادت أن تعرف قدرك عنده فانظر في ماذا يقيمك .
هذا ميزان صحيح ، وقد روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من أراد أن يعلم منزلته عند اللّه فلينظر كيف منزلة اللّه تعالى من قلبه فإن اللّه عزّ وجلّ ينزل العبد عنده حيث أنزله العبد من نفسه » .
وهذا الإنزال المذكور المنسوب إلى العبد هو معنى الإقامة المذكورة ؛ إذ العبد لا فعل له على التحقيق .
قال الفضيل بن عياض ، رضي اللّه تعالى عنه : « إنما يطيع العبد ربّه على قدر منزلته منه » .
قال الشيخ أبو طالب المكي ، رضي اللّه تعالى عنه : « فإذا كان العبد لنظر مولاه مكرما ، ولحرماته معظما ، وإلى محبوبه ومرضاته مسارعا كان اللّه عزّ وجلّ له في الآخرة ، لوجهه مكرما ، ولشأنه معظّما ، وإلى مسرّته من النعيم المقيم مسارعا ، وإذا كان العبد بحق مولاه متهاونا ، وبأمره مستخفّا ولشعائره مستصغرا كان اللّه عزّ وجل له مهينا وبشأنه متهاونا ، إلى ما يكره من العذاب الأليم ، له مسارعا ، والعياذ باللّه من ذلك » .