وما ذكرناه ، من : الحلاوة ، والنعيم ، إنما هو ثمرة الأعمال الصحيحة المستقيمة السالمة من الرياء والدعوى .
قال أبو تراب ، رضي اللّه عنه : « إذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل أن يعمله ، وإذا أخلص فيه وجد حلاوته وقت مباشرة العمل » ، والأعمال الموصوفة بهذه الصفات مقبولة بفضل اللّه تعالى . ورد في الخبر : ( لا يقبل اللّه من مستمع ولا مراء ) دليل خطابه أن العمل السالم من الرياء والسمعة مقبول من قوله عزّ من قائل :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
[ المائدة : 27 ] وقبول اللّه تعالى لعمل العبد ورضاه به هو من ثوابه المعجّل ، كما يقول المؤلف بعد هذا : « وذلك علامة على وجود الجزاء عليه في الدار الآخرة حسبما يأتي في قوله : ( وجدان ثمرات الطاعات عاجلا بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجلا ) » .
وقال أبو سليمان الداراني ، رضي اللّه تعالى عنه : « كل عمل ليس له ثواب في الدنيا ليس له جزاء في الآخرة » فحصل من هذا أن وجدان الحلاوة علامة على وجود القبول المقتضى لوجود الرضا والجزاء ، ولذلك قال الحسن رضي اللّه تعالى عنه : « تفقدون الحلاوة في ثلاث ، فإن وجدتموها فأبشروا وامضوا لقصدكم ، وإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلق : عند تلاوة القرآن ، وعند الذكر وعند السجود » وزاد غيره ( وعند الصدقة ، وبالأسحار ) .
وقيل في قوله تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] قال : جنة معجّلة ، وهي حلاوة الطاعة ولذاذة المناجاة والاستئناس بفنون المكاشفات ، وجنة مؤجّلة ، هي فنون المثوبات ، وعلوّ الدرجات .
فقلت : وهذه الحلاوة المذكورة لا تكون إلّا في مقام المعرفة الخاصة ، وهي التي تنافيها المعصية .
قيل لبعضهم : هل تعرف اللّه ؟ فغضب على السائل ، وقال : أتراني أعبد من لا أعرفه ؟ !
فقال له : أو تعصي من تعرفه ! !
وقيل لبعضهم : بم تعرف أنك عرفته ؟
فقال : لم أقصد مخالفته إلّا ورد على قلبي استحياء منه .
وقال إسماعيل بن نجيد ، رضي اللّه تعالى عنه : التهاون بالأمر من قلة المعرفة بالآمر ، فإنّ العصيان في حال العرفان بعيد » فإن وقعت منه زلّة أو هفوة بحكم - وكان