قال : فقلت لها يا جارية ، أما تتقين اللّه في مثل هذا المكان تتكلمين بهذا الكلام ؟ فالتفتت إلى وقالت يا جنيد :
لولا التقى لم ترني * أهجر طيب الوسن
إن التقى شردنى * كما ترى عن وطنى
أفر من وجدى به * فحبه هيمنى
ثم قالت : يا جنيد ، أنت تطوف بالبيت أم برب البيت ؟ فقلت : أطوف بالبيت ، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت : سبحانك سبحانك ، ما أعظم مشيئتك في خلقك ، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار ، ثم أنشأت تقول :
يطوفون بالأحجار يبغون قربة * إليك وهم أقسى قلوبا من الصخر
وتاهوا فلم يدروا من التيه من هم * وحلوا محل القرب في باطن الفكر
فلو أخلصوا في الود غابت صفاتهم * وقامت صفات الود للحق بالذكر
قال الجنيد : فغشى على من قولها ، فلما أفقت لم أرها رضى اللّه تعالى عنها .
( الحكاية الخامسة والأربعون : عن ذي النون المصري رضي اللّه عنه )
قال : لقيت امرأة في تيه بني إسرائيل ، عليها مدرعة من شعر ، وخمار من صوف ، وفي كفها عكاز من حديد ، فقلت : السلام عليك ورحمة اللّه ، فقالت : وعليك السلام ورحمة اللّه ، ما للرجال وخطاب النساء عافاك اللّه ، فقلت : أنا أخوك ذو النون المصري ، فقالت : مرحبا حياك اللّه بالسلام ، قلت : ما تصنعين ههنا ؟ قالت : كلما أتيت إلى بلد يعصى فيه الحبيب ضاق على ذلك البلد ، فأنا أطلب بقعة طاهرة ، أخر عليها ساجدة أناجيه بقلب ذاب من شدة الشوق إلى لقائه ، قلت : ما سمعت أحدا يذكر الحبيب أحسن من ذكرك ، فأي شئ المحبة ؟ فقالت : سبحان اللّه أنت الحكيم الواعظ وتسألني عن المحبة ؟ أول المحبة يبعث على الكد الدائم ، حتى إذا وصلت أراوحهم إلى أعلى الصفاء جرعهم من محبته لذيذ الكئوس ، ثم صرخت وخرت مغشيا عليها ، فلما أفاقت رضى اللّه تعالى عنها قالت :
أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى * فذكر شغلت به عن سواك
وأما الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتى أراكا
ولا حمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا