( الحكاية السادسة والأربعون عن محمد بن رافع رحمه اللّه )
قال : أقبلت من بلاد الشام ، بينما أنا في بعض الطريق ، رأيت فتى عليه جبة من صوف ، وبيده ركوة ، فقلت : أين تريد ؟ قال : لا أدرى ، فقلت : من أين جئت ؟ فقال لا أدرى ، فظننته موسوسا ، فقلت : من خلقك ؟ فاصفر لونه حتى كأنه صبغ بالزعفران ، ثم قال : خلقني من لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، فقلت :
يرحمك اللّه أنا من إخوانك ، وممن يأنس إلى أمثالك ، فلا تنقبض منى ، فقال :
إني واللّه أود لو أجاز لي ترك الجماعات حتى أنفرد في شاهق منيف صعب المرتقى ، أو في غار لعلى أجد قلبي ساعة يسلو عن الدنيا وأهلها ، فقلت : وما جنت عليك الدنيا حتى استحقت منك هذا البغض ؟ فقال : جناياتها العمى عن جناياتها ، فقلت : هل من دواء تعالج به من هذا العمى الذي حجب عنى ما يراد بي ؟ فقال : ما أراك تقدر على هذا العلاج فاستعمل من الدواء أيسره ، فقلت :
صف لي دواء لطيفا ، قال : فما داؤك ؟ قلت : حب الدنيا ، فتبسم وقال : أي داء أعظم من هذا ، ولكن اشرب السموم الطرية ، والمكاره الصعبة ، قلت : ثم ماذا ؟
قال : ثم مر الصبر الذي لا جزع فيه ، والتعب الذي لا راحة فيه ، قلت : ثم ماذا ؟
قال : ثم الوحشة التي لا أنس فيها ، والفرقة التي لا اجتماع معها ، قلت : ثم ماذا ؟
قال : ثم السلو عما تريد ، والصبر عما تحب ، فان أردت فاستعمل هذا ، وإلا فتأخر واحذر الفتن فإنها كقطع الليل المظلم ، قلت له : فدلني على عمل يقربني إلى اللّه عز وجل ، فقال : يا أخي قد نظرت في جميع العبادات ، فلم أر أرفع ، أو قال أنفع من الفرار من الناس ، وترك مخالطتهم ؛ يا أخي رأيت القلب عشرة أجزاء ، فتسعة مع الناس ، وجزء مع الدنيا ، فمن قوى على الانفراد حاز تسعة أجزاء من القلب ، ثم غاب عنى فلم أره ، رضى اللّه تعالى عنه .
( الحكاية السابعة والأربعون : عن بعض الصالحين رضى اللّه تعالى عنهم )
قال : مررت بطبيب وبين يديه جمع من الناس ، وهو يصف لهم ما يشربون ، فتقدمت إليه فجس بيدي جسا لطيفا وقال لي :
أرى بك داء ليس يبلغه وصفى * ولكن بحمد اللّه يبريك ذو اللطف
فصحت من الآلام صيحة مغرم * صدقت وقد أشهرت جملة ما أخفى
فجد لي بوصف فيه برئى من الضنا * فقد حل ما بي من سقامى ومن ضعفي