قال الفضيل : فو اللّه لقد بقيت عشرة أيام لم أطعم طعاما ، ولم أشرب شرابا وجدا بكلامه ، فطوبى لمن استوحش من الخلق ، وأنس بالحقّ ، وأنشد بعضهم :
أنست بوحدتى ولزمت بيتي * فطاب الأنس لي وصفا السرور
وأدّبنى الزمان فلا أبالي * هجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما عشت يوما * أسار الجند أم ركب الأمير
وأنشد آخر :
كفاني من اللذّات أن لا يروعنى * وزير ولا يسطو علىّ أمير
( الحكاية الثالثة والثلاثون : عن الشبلي رضى اللّه تعالى عنه )
قال : مرّ بي بهلول المجنون في بعض الأيام وهو خارج إلى الجبانة ، ومعه قصبة قد جعلها فرسه ، وبيده مقرعة وهو يعدو ، فقلت : إلى أين يا بهلول ، فقال : إلى العرض على اللّه عزّ وجلّ ، قال فجلست حتى رجع وقد انكسرت القصبة ، واحمرّت عيناه من البكاء ، فقلت له : ما كان منك ؟ قال : وقفت بين يديه على أن يكتبني من الخدّام فلما عرفني طردني ، قلت : هذا القول من بهلول قول عارف محبّ مقبول ، صدر من قلب حزين بالخوف مشغول - وفي معنى العرض والردّ والقبول أسرت في هذه العشرة الأبيات أقول :
عرضنا على المولى ونحن عبيد * فمنا شقىّ ردّه وسعيد
فمن كان منا ليس يصلح خادما * فعن بابه بالطرد ذاك بعيد
ومن كان يصلح فهو في قدس حضرة * قريب ومقبول هناك حميد
حبيب له جاه عريض ورفعة * ومجد على مرّ الجديد جديد
أولئك خدّام كرام وسادة * ونحن عبيد السوء بئس عبيد
فياغبننا يوم التغابن عندما * يقابلهم وعد ونحن وعيد
ترى الناس إلا هم سكارى وما هم * سكارى ولكنّ العذاب شديد
تحيط بنا الأهوال من كل جانب * إلى أن كأنا بالعقار نميد
وهم ركبوا نجبا من النور في الهوا * تطير إلى الربّ الكريم وفود
ولا فزع يحزنهم بل بقربه * لهم فرح يحلو هناك وعيد