فلما ذهب الليل نادت : واحزناه ؛ واسلباه ، فقلت مم ذا ؟ فقالت :
ذهب الظلام بأنسه وبإلفه * ليت الظلام بأنسه يتجدّد
( الحكاية التاسعة والعشرون : عن عتبة الغلام رضي اللّه تعالى عنه )
قال :
خرجت من البصرة فإذا أنا بخباء أعراب قد زرعوا زرعا ، وإذا بخيمة مضروبة ، وإذا في الخيمة جارية مجنونة عليها جبة صوف مكتوب عليها لا تباع ولا تشترى فدنوت منها فسلمت عليها فلم تردّ على السلام ثم سمعتها تقول :
أفلح الزاهدون والعابدونا * إذا لمولاهم أجاعوا البطونا
أسهروا الأعين القريحة فيه * فمضى ليلهم وهم شاهدونا
جيرتهم محبة اللّه حتى * حسب الناس أن فيهم جنونا
هم ألباء ذوو عقول ولكن * قد شجاهم جميع ما يعرفونا
قال : فدنوت إليها فقلت : لمن الزرع ؟ فقالت لنا إن سلم ، فتركتها وأتيت بعض الأخبية ، فأرخت السماء مطرا كأفواه القرب ، فقلت واللّه لآتينها وأنظر قصتها في هذا المطر ، فإذا بالزرع قد غرق وإذا هي قائمة وهي تقول : والذي أودع قلبي من صروف صفاء مودّة محبتك إن قلبي ليوقننّ منك بالرضا ، ثم التفتت إلىّ وقالت : يا هذا إنه الذي زرعه فأنبته ، وأقامه فسنبله ، وركبه فشققه ، وأرسل عليه غيثا فسقاه ، واطلع عليه فحفظه ، فلما دنا حصاده أهلكه ؛ ثم رفعت رأسها نحو السماء وقالت : كلّ العباد عبادك وأرزاقهم عليك فاصنع ما شئت ، فقلت لها : كيف صبرك ؟ فقالت اسكت يا عتبة إن إلهي لغنىّ حميد ، في كلّ يوم منه رزق جديد ، الحمد للّه الذي لم يزل يفعل بي أكثر مما أريد ، قال عتبة : فو اللّه ما ذكرت كلامها إلا هيجنى وأبكاني .
( الحكاية الثلاثون : عن ذي النون المصري رضي اللّه تعالى عنه )
قال :
وصف لي رجل من أهل المعرفة في جبل لكام ، فقصدته فسمعته يقول بصوت حزين في بكاء وأنين :
يا ذا الذي أنس الفؤاد بذكره * أنت الذي ما إن سواك أريد
تقنى الليالي والزمان بأسره * وهواك غضّ في الفؤاد جديد