يا عبد الواحد رفيقك في الجنة ميمونة السوداء ، فقلت وأين هي ؟ فقيل لي في بنى فلان بالكوفة فخرجت إلى الكوفة وسألت عنها ، فقالوا هي مجنونة ترعى غنيمات ، فقلت أريد أن أراها فقالوا اخرج إلى الجبانة فخرجت فإذا هي قائمة تصلى وإذا بين أيديها عكاز وعليها جبة صوف مكتوب عليها : لا تباع ولا تشترى ، وإذا الغنم مع الذئاب فلا الذئاب تأكل الغنم ولا الغنم تخاف من الذئاب ، فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت : ارجع يا ابن زيد فليس الموعد ههنا إنما الموعد غدا ، فقلت يرحمك اللّه من أعلمك أنى ابن زيد ؟ فقالت أما علمت أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ؟
فقلت لها عظينى ، فقالت وا عجبا لواعظ يوعظ ، إنه بلغني ما من عبد أعطى من الدنيا شيئا فابتغى إليه ثانيا إلا سلبه اللّه حبّ الخلوة معه وبدّله بعد القرب بعدا وبعد الأنس وحشة ، ثم أنشأت تقول :
يا واعظا قام لاحتساب * تزجر قوما عن الذنوب
تنهى وأنت السقيم حقا * هذا من المنكر العجيب
لو كنت أصلحت قبل هذا * عيبك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي * موقع صدق من القلوب
تنهى عن الغىّ والتمادي * وأنت في النهى كالمريب
فقلت لها : إني أرى هذه الذئاب مع الغنم ، فلا الغنم تفزع من الذئاب ولا الذئاب تأكل الغنم ، فلأىّ شئ هذا ؟ فقالت إليك عنى ، فإني أصلحت ما بيني وبين سيدي ، فأصلح ما بين الذئاب والغنم . رضى اللّه تعالى عنها ونفعنا بها آمين .
( الحكاية الثامنة والعشرون : عن أبي الربيع )
قال : بتّ أنا ومحمد بن المنكدر وثابت البناني عند ريحانة المجنونة رضي اللّه تعالى عنها وعنهم أجمعين ، قال فقامت أول الليل وهي تقول :
قام المحبّ إلى المؤمل قومة * كاد الفؤاد من السرور يطير
فلما كان جوف الليل سمعنا هاتفا يقول :
لا تأنس بمن توحشك نظرته * فتمنعن من التذكار في الظلم
واجهد وكدّ وكن في الليل ذا شجن * يسقيك كأس وداد العزّ والكرم