سعدون ، قلت المعروف بالمجنون ؟ قال نعم ، قلت فمن القوم الذين سألت اللّه تعالى بهم وبحرمتهم ؟ قال أولئك قوم ساروا إلى اللّه تعالى سيرا من نصب المحبة بين عينيه وتجردوا تجرد من أخذت الزبانية بقلبه ثم التفت إلىّ وقال :
يا ذا النون ، قلت نعم ، قال بلغني أنك تقول قل شيئا أسمع من أسباب المعرفة ، قلت أنت الذي يقتبس من علمك ؟ فقال حق السائل الجواب ، ثم أنشأ يقول :
قلوب العارفين تحن حتى * تحل بقربه في كل راح
صفت في ود مولاها فليست * لها عن ودّ مولاها براح
( الحكاية الرابعة والعشرون عن سعدون )
قيل كان سعدون المجنون رضي اللّه تعالى عنه يدور في شوارع البصرة ويقف على كل دار مر بها ويقرأ
( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ )
ويبكى وينشد :
فلو لم يكن شئ سوى الموت والبلى * وتفريق أعضاء ولحم مبدد
لكنت حقيقا يا ابن آدم بالبكا * على نائبات الدهر مع كل مسعد
وكان إذا اشتد به الجوع أنشد :
إلهي أنت قد آليت حقا * بأنك لا تضيع من خلقتا
وأنك ضامن للرزق حتى * تؤدى ما ضمنت كما قسمتا
وإني واثق بك يا إلهي * ولكنّ القلوب كما علمتا
وكان عليه جبة صوف مكتوب على كمها الأيمن سطر :
عصيت مولاك يا سعيد * ما هكذا تفعل العبيد
وعلى الكم الأيسر مكتوب سطران :
تبا لمن قوته رغيف * يأتي به السيد اللطيف
يعصى إلها له جلال * وهو به راحم رؤوف
ومن خلفه سطران :
كل يوم يمر يأخذ بعضي * يذهب الأطيبين شئ ويمضى
نفس كفى عن المعاصي وتوبي * ما المعاصي على العباد بفرض