عليك دين قضيناه فقال يا أمير المؤمنين لا يقضى دين بدين ، أردد الحق إلى أهله ، واقض دين نفسك من نفسك ، فقال يا بهلول فنجرى عليك ما يكفيك ، فرفع بهلول رأسه إلى السماء ثم قال : يا أمير المؤمنين : أنا وأنت من عباد اللّه تعالى فمحال أن يذكرك وينسانى . فأسبل هارون السجاف ومضى .
( الحكاية العشرون )
حكى أنه لما خرج هارون الرشيد حاجا إلى مكة ، فرش له من جوف العراق إلى الحرم لبود مرعزى ، وكان حلف أن لا يحج إلا راجلا ، فاستند يوما إلى ميل وقد تعب ، وإذا بسعدون المجنون قد عارضه وهو يقول :
هب الدنيا تواتيكا * أليس الموت يأتيكا
فما تصنع بالدنيا * وظل الميل يكفيك
ألا يا طالب الدنيا * دع الدنيا لشانيكا
كما أضحكك الدهر * كذاك الدهر يبكيكا
قال فشهق هارون الرشيد شهقة خرّ مغشيا عليه حتى فاتته ثلاث صلوات ، فلما أفاق طلبه فلم يقع له على أثر وبقي متلهفا عليه . ويروى أن هارون قال في حجته هذا الكلام : الركوب على الخنافس ولا المشي على الطنافس .
( الحكاية الحادية والعشرون : عن محمد بن الصباح رحمه اللّه تعالى )
قال : خرجنا نستسقى بالبصرة ، فلما أصحرنا إذا نحن بسعدون المجنون قاعدا على الطريق ، فلما رآني قام وقال لي : أين ؟ قلت نستسقى ، قال بقلوب سماوية :
أم بقلوب خاوية : قلت سماوية ، قال فأجلسوا ههنا واستسقوا ، فجلسنا حتى ارتفع النهار وما تزداد السماء إلا صحوا ولا الشمس إلا حرّا فنظر إلينا وقال :
يا بطالون لو كانت قلوبكم سماوية لسقيتم ، ثم توضأ وصلى ركعتين ولحظ إلى السماء بطرفه فتكلم بكلام لم أفهمه ، فو اللّه ما استتم كلامه حتى رعدت السماء وأبرقت وأمطرت مطرا جيدا ، فسألناه عن الكلام الذي تكلم به فقال :
إليكم عنى ، إنما هي قلوب حنت فرنت فعاينت فعلمت وعملت وعلى ربها توكلت ، ثم أنشأ يقول :
اعرض عن الهجران والتمادي * وارحل لمولى منعم جواد
ما العيش إلا في جوار قوم * قد شربوا من صافي الوداد