سريعا حتى غاب عن أعيننا ، ثم تبعته فوجدته في مسجد عال في مدينة عجيبة « 1 » ، فقام وتلقاني وعانقنى وفرح بي فرحا شديدا وأجلسني إلى جانبه ، ولا أدرى هل هذا لحوق بالموت أو لحوق بالزهد في الدنيا والانقطاع إلى الله تعالى ، وهذا أيضا قريب من التاريخ المذكور .
ورأيت « 2 » أيضا فيما تقدم كأن إنسانا شرع يمدح العزلة ويذم الخلطة ، فقلت له : قد قالوا المخالطة أفضل لم يسلم « 3 » فيها ، فقال : ومن ذا « 4 » الذي يسلم في المخالطة ؟ انتهى ذلك ، نسأل الله الكريم التوفيق .
قلت « 5 » : وينبغي للمعتزل أن يحرص على الصلوات في الجماعات ، فإن تضرر بالخروج فليلتمس إنسانا يصلى معه في الخلوات ، ولا يصلى وحده فتفوته « 6 » الفضائل العظيمة والدرجات العاليات ، اللهم إلا أن تدعو الضرورة والمصلحة الظاهرة إلى الاعتزال [ لوحة رقم 109 ] في المواضع البعيدات كالجبال والأودية والفلوات ، فالمرجو من كرم الله سبحانه « 7 » حينئذ أن يضاعف أجره كما يضاعفه في الجماعات ، أو يقيض له من يصلى معه من الملائكة والصالحين ، كما جاء عن بعضهم في بعض الروايات . [ ومما « 8 » أنشدوا في العزلة في البراري ] « 9 » :
أخص الناس بالإيمان عبد * خفيف الحاذ مسكنه القفار
له في الليل حظ من صلاة * ومن صوم إذا طلع النهار
وقوت النفس « 10 » يأتي في كفاف * وكان له على ذاك اصطبار
وفيه عفة وبه خمول * إليه بالأصابع لا يشار
وقل الباكيات عليه لما * قضى نحبا وليس له يسار
فذلك قد نجا من كل شر * ولم تمسه يوم البعث نار « 21 * »
هامش
( 1 ) في ( ب ) ( حسنة ) .
( 2 ) ورأيت ساقط من ( ك ) .
( 3 ) في ك ( مسلم ) .
( 4 ) ( ذا ) زيادة من ( ب ، ط ، ك ) .
( 5 ) قلت بياض في ( ب ) .
( 6 ) في ك ( فيفوته ) .
( 7 ) لفظة ( سبحانه ) زيادة في ( ط ) وهي من ( ب ) ( تعالى ) .
( 8 ) ومما زيادة من ( ط ) .
( 9 ) ما بين المعقوفتين بياض في ( ب ) .
( 10 ) في ط ( الناس ) .
( 21 * ) أبيات قيلت في فضل العزلة والسباحة في البراري ، ولم أتوصل للقائل وهي من بحر الوافر .