يبيعه ، فساومته وقلت له بكم تبيع هذا ؟ فنظر إلىّ ثم قال : أقعد حتى أبيع هذا وأعطيك شيئا [ لوحة رقم 76 ] من ثمنه فإنك جائع منذ بومين ، قال وكنت جائعا منذ يومين ، فتغافلت عنه كأني لم أسمع ما قال ، وذهبت عنه وساومت غيره ، ثم عدت إليه وقلت له بكم تبيع هذا ؟ فنظر إلى وقال : أقعد فإنك جائع لم تأكل منذ يومين حتى إذا بعنا أعطيناك من ( ثمنه شيئا ) « 1 » ، قال فوقع في قلبي منه هيبة ، فلما باع أعطاني شيئا ومضى ، فمضيت « 2 » خلفه لعلى أستفيد منه شيئا بقوله ، فألتفت إلى وقال : إذا عرضت لك حاجة فأنزلها بالله إلا « 3 » أن يكون لنفسك فيها حظ فتحجب عن الله ، ومن علم أن الله كافيه لا يستوحش من الخلق عنه ، ولا يستأنس بإقبال الخلق عليه ثقة بأن الذي قسم له لا يفوته وإن اعرضوا عنه ، والذي لم يقسم له لا يصل إليه وإن أقبلوا عليه .
وحكى « 4 » عن إبراهيم الخواص « 21 * » رضي الله عنه أنه قال : رأيت في طريق الشام « 22 * » شابا حدث حسن المراعاة ، فقال لي هل لك في الصحبة ؟ فقلت إني أجوع ، فقال إن جعت جعت معك ، فبقينا أربعة أيام ففتح علينا بشئ ، فقلت هلم فقال اعتقدت أن لا أخذ بواسطة ، فقلت يا غلام دققت ، فقال يا إبراهيم « 21 * » لا تبهرج فإن الناقد بصير مالك التوكل ، ثم قال : أقل التوكل أن ترد عليك موارد الفاقات فلا تسمو نفسك إلا إلى « 5 » من إليه الكفايات . وأنشدوا في التوكل :
حقيقة العبد عندي في توكله * سكون أحشائه من كل مطلوب
وأن تراه لكل الخلق مطروحا * يصون أسراره عن كل مصحوب « 6 »
( وأنشد بعضهم في كون رؤية المبتلى في البلاء يهون ) « 7 » بها « 8 » العناء « 9 »
خفف عنى ما ألاقى من الهنا * بأنك أنت المبتلى والمدبر « 10 »
هامش
( 1 ) ( ثمنه شيئا ) زيادة من ( ط ) .
( 2 ) في ( ط ) ( ز مضت ) .
( 3 ) في ( ط ) ( إلى ) .
( 4 ) ( وحكى ) بياض في ( ك ) ، ( ب ) .
( 5 ) ( إلى ) ساقطة من ( ب ) .
( 6 ) في ( ط ) ( مصحوب ) ، وهي أبيات قيلت في مقام التوكل . وهي من البحر البسيط .
( 7 ) ما بين المعقوفتين ساقط من ( ب ) .
( 8 ) في ( ط ) ( به ) .
( 9 ) في ( ك ) ( يقينا ) .
( 10 ) هذا بيت قيل في مقام التوكل ولم أتوصل للقائل ، وهو من البحر الطويل .
( 21 * ) انظر ص 48 .
( 22 * ) الشام : كان يراد به سابقا سورية على العموم ، وكانت تقسم إلى سبعة أصفاد في أيام العرب وهي فلسطين والأردن وحمص ودمشق وقنسرين والعواصم والثقور .