ولا بد من ذلك حتى في الشهد الذي من الله ( تعالى ) به علينا ، وجعل فيه شفاء لنا به الداء يزول ، مع كون النحل من أضعف الحيوانات نمنع من الوصول إليه بإبرها المحرقة حتى لا يوصل إليه إلا بنوع من المشقة ومعنى قولي :
* وبالعسر غالى الحسن ما زال منعوتا *
أي كل ذي حسن عال ما برح مصوفا معروفا بعسر الإسعاف في الوصول إلى بلوغ المأمول ثم العسر والمشقة على قدر الجمال ، ولما كان جمال الحق سبحانه أعلى كل جمال ، كانت مشاهدته أغلى كل نوال ، ولم يوصل إلى أقصى المأمول وهو تلك المشاهدة إلا بأقصى المشقات وهو الموت في المجاهدة . وفي مجاهدتهم النيل أقصى المقاصد . قلت في بعض القصائد :
دواهي الدهر لا تخشى « 1 » المنايا * إذا نودوا لطعن « 2 » أو ضراب
يريدون « 3 » المنايا باشتياق * يرون الوصل في قطع الركاب
يرون الموت في الهيجاء أحلى * من الجلاب في فيهم مذاب
ولقد أحسن الشيخ العارف ابن الفارض « 21 * » - رضى الله تعالى عنه - فيما نحن بصدده من كون ( الحياة في ) « 4 » المشاهدة لا تحصل إلا بالموت في ( المجاهدة ) « 5 » . حيث قال :
فإن شئت أن تحيا سعيدا فمت به * شهيدا وإلا فالغرام له أهل
فمن لم يمت في حبه لم يعش به * ودون اجتناء النحل ما جنت النحل « 22 * »
يعنى لا يوصل إلى اجتناء العسل ( اللذيذ ) « 6 » شيهه باجتناء الثمار إلا بملاقات جنايات مؤلمة من إبر النحل . وأحسن القائل الأخر أيضا حيث قال :
لا تطلبن حياة عند غيرهم * فليس يحييك إلا من توفاكا
يعنى لا يحييك في مقام البقاء به إلا من أفناك عنك . وحاصل هذا أن حياة البقاء لا تحصل
هامش
( 1 ) في ( ب ) ، ( ك ) ( يخشى ) .
( 2 ) في ( ط ) ( الطعن ) .
( 3 ) في الأصل ، ( ط ) : يزرونا والصواب ما أثبتناه .
( 4 ) ( الحياة في ) ساقطة من ( ك ) .
( 5 ) في الأصل ( المجاهدات ) ، ( ك ) ( المجاهد ) .
( 6 ) في ( ب ) الذي .
( 21 * ) هو عمر بن الفارض أبى الحسن علي بن المرشدين على شرف الدين الحموي الأصل المصري المولد والدار والوفاة ، صاحب الديوان المعروف ب ( الفائق والشعر الرائق ) . ولد سنة 576 ه ، وتوفى سنة 632 ه ودفن بالمقطم ، انظر ترجمته في طبقات الأولياء ص 464 ، جامع كرامات الأولياء ج 2 ص 412 .
( 22 * ) هذان البيتان قالهما عمر بن الفارض وهما من البحر الطويل .