جهة العلو : اللّه على العرش استوى وعلى الملك احتوى وعلمه محيط بالأشياء بدليل سبع آيات في القرآن العظيم في هذا المعنى ، لا يمكنني ذكرها لأجل جهل الجاهل ورعونته ، انتهى .
قال : فلا أدري أذلك الكلام دسّ على الشيخ في كتابه أم وقع في ذلك في بدايته ورجع عنه لما دخل في الطريق ، فإن من المعلوم عند كل عارف باللّه تعالى أنه تعالى لا يتحيز ، والشيخ قد شاعت ولايته في أقطار الأرض فيبعد من مثله القول بالجهة قطعا .
وقد ذكر الشيخ محيي الدين بن العربي رضي اللّه عنه أنه لا يلزم من قوله تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
[ فاطر : 10 ] أن يكون تعالى في جهة الفوق دون غيرها بدليل قوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
[ الأنعام : 3 ] ظرفية تليق بجلاله .
وأجمع المحققون أن شهود الحق تعالى في حال السجود صعود وإن كان السجود في أسفل سافلين .
وأما قوله تعالى :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
[ النحل : 5 ] أي : يخافون ربهم أن ينزل عليهم عذابا من فوق رؤوسهم ، هذا هو الاعتقاد الحق .
قلت - أي الشعراني - : ويصح حمل قول السيد عبد القادر الجيلي السابق أنه تعالى في جهة العلو على أن مراده بجهة العلو الجهة التي قصد العبد قضاء حاجته منها وإن كانت في السفليات ، هذا لا يبعد على مقام الشيخ ، انتهى واللّه تعالى أعلم .
قلت : لم يثبت عن الشيخ عبد القادر أنه قال بأقوال المشبهة والمجسمة والمعطلة ، بل مذهبه في الأسماء والصفات والرؤية والعرشية وغيرها من مسائل الاعتقاد مذهب أهل الحقائق بالإثبات والتنزيه ، وهو منهج السلف الصالح رضوان اللّه عليهم ، وهو ما عليه اعتقاد المحققين من السادة الصوفية .
وذلك واضح في كتبه وما كتب عنه قدس اللّه سره العزيز .
ألا ترى قول الشيخ في فتوح الغيب ( ص 149 ) : الحمد للّه الذي كيّف الكيف وتنزه عن الكيفية ، وأيّن الأين وتعزز عن الأينية ، ووجد في كل شيء وتقدس عن الظرفية ، وحضر عن كل شيء وتعالى عن العندية ، فهو أول كل شيء وليس له آخرية .