يحضر ؟ فقالوا : نعم ، الشيخ جلال الدين المحلي شارح المنهاج ، فأرسل السلطان وراءه فحضر ، فوجد الرجل في الحديد بين يدي السلطان ، فقال الشيخ : ما لهذا ؟ فقالوا : كفر ، فقال :
ما مستند من أفتى بكفره ؟ فبادر الشيخ صالح ، وقال : قد أفتى والدي شيخ الإسلام الشيخ سراج الدين البلقيني في مثل ذلك بالتكفير ، فقال الشيخ جلال الدين المحلي : يا ولدي ، أترى أن يقتل رجل مسلم موحد يحبّ اللّه ورسوله بفتوى أبيك ؟ ! حلّوا عنه الحديد ، فجرّدوه ، فأخذه الشيخ جلال الدين بيده ، وخرج والسلطان ينظر فما تجرّأ أحد أن يتبعه .
وكان الشيخ محيي الدين العربي قدّس سرّه يقول : كثيرا ما تهبّ على قلوب العارفين نفحات إلهية ؛ فإن نطقوا بها جهّلهم بها كمّل العارفين ، وردّها عليهم أصحاب الأدلّة من أهل الظاهر ، وغاب عنهم أن اللّه سبحانه وتعالى كما أعطى أولياءه من الكرامات التي هي فرع المعجزات فلا بدع أن ينطق ألسنتهم بالعبارات التي تعجز العلماء عن فهمها .
قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه اللّه تعالى : ومن شكّ في هذا القول فلينظر في كتاب « المشاهد » « 1 » ، أو كتاب « عنقاء مغرب » « 2 » للشيخ محيي الدين ، أو كتاب « الشعائر » « 3 » لسيدي محمد وفا ، أو كتاب « خلع النعلين » « 4 » لابن قسي .
فإن أكبر العلماء لا يكاد يفهم منه معنا مقصودا لقائل أصلا ؛ بل هو خاصّ بمن دخل مع ذلك المتكلم حضرة القدس ؛ فإنه لسان قدسيّ لا يعرفه إلا الملائكة ، أو من تجرّد عن هيئة البشرية ، أو أصحاب الكشف الصحيح .
وكان الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام رضي اللّه عنه يقول بعد اجتماعه على الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه وتسليمه للقوم : من أعظم الدليل على أن طائفة الصوفية قعدوا على أعظم قواعد الشرع وأساسه ما يقع على أيديهم من الكرامات والخوارق ، ولا يقع شيء قط من ذلك لفقيه
هامش
( 1 ) هو المشاهد القدسية من أعظم كتب الشيخ ، وقد حققناه لأول مرة مع شرحه الفخم العظيم للست عجم بنت النفيس البغدادية العامية الأمية ، وقد طبع بدار الكتب العلمية .
( 2 ) قد شرحه أكثر من واحد ، كالشيخ الداموني ، يسر اللّه لنا تحقيقه .
( 3 ) وهو شعائر أهل العرفان ، تحت قيد الطبع بتحقيقنا .
( 4 ) وهو من الكتب المهمة في الحقيقة المحمدية ، أتم اللّه لنا تحقيقه ، ورزقنا سر العلم وفضله .