تصحيح البدايات هو اتّقاء الرخص بمواظبة النفس على العزائم ، وتحكم السنة بامتثال الأمر ومشاهدة الحكم .
والحزم في السلوك ترك الراحة ، وامتثال أحكام المشايخ بعدم الاعتراض ، واستحقاق العمل باستشعار الحال - أو قال : الأجل - ، والتمسك بعروة الإخلاص .
واعلم أن التطلع لعالم النهايات لا يصح إلا بتحقيق البدايات .
وكان رضي اللّه عنه يتمثّل بهذه الأبيات :
يا ناهري لما وقفت ببابه * والرفق بالشاكي هو الأولى به
أكذا جرى رسم الذين تقدموا * يشكو المحب الجور من أحبابه
قال اشتكاني بعد ما قرّبته * وجعلت لمح الطرف بعض ثوابه
فوحق حاجته إليّ وفقره * لأواصلن نعيمه بعذابه
ولأمزجنّ حياته بمماته * حتى يقصر وصفه عما به
لا يتعب المحبوب قتل محبه * فلديه ما يغنيه عن أتعابه
وحياته لو سل سيف لحاظه * بلغ المنى ويداه تحت ثيابه « 1 »
الحكاية الرابعة والسبعون
عن الشيخ أبي محمد علي بن إدريس رحمه اللّه تعالى قال :
كان الشيخ مكارم بن النهر الخالصي رضي اللّه عنه « 2 » يتكلّم على أصحابه في وقت ، فذكر النار وما أعدّ اللّه لأهلها ، فوجلت القلوب ودمعت العيون ، وكان هناك رجل معطل فقال : إنما هذا تخويف ، وما ثمّ نار يعذّب بها أحد ، فقال الشيخ :
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
[ الأنبياء : 46 ] ، وسكت الشيخ وسكت الحاضرون ، فصاح الرجل : الغوث الغوث ، واضطرب اضطرابا شديدا ، وأبصروا دخانا يخرج منه يكاد يصرع من شمه من شدة ريحه ، فقال الشيخ :
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
[ الدخان : 12 ] .
هامش
( 1 ) انظر : سر الأسرار ( ص 366 ) .
( 2 ) انظر : البهجة ( ص 371 ) .