أحبّ أبا ثروان من حبّ تمره * ولم تعلم أن الرفق بالجار أرفق
فو اللّه لولا تمره ما حببته * ولا كان أدنى من عبيد ومشرق
ثم اقتصروا على اسم الفاعل من « أحب » فقالوا « محب » ولم يقولوا « حابّ » واقتصروا على اسم المفعول من « حب » فقالوا « محبوب » ولم يقولوا « محبّ » إلا قليلا . كما قال الشاعر :
ولقد نزلت ، فلا تظني غيره * مني بمنزلة المحبّ المكرم
وأعطوا « الحب » حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها ، مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها . وأعطوا « الحبّ » وهو المحبوب : حركة الكسر لخفتها عن الضمة ، وخفة المحبوب ، وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم : من إعطائه حكم نظائره ، كنهب بمعنى منهوب ، وذبح بمعنى مذبوح ، وحمل للمحمول . بخلاف الحمل - الذي هو مصدر - لخفته . ثم ألحقوا به حملا لا يشق على حامله حمله ، كحمل الشجرة والولد .
فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني ، تطلعك على قدر هذه اللغة ، وأن لها شأنا ليس لسائر اللغات .
رسوم وحدود قيلت في المحبة
في ذكر رسوم وحدود قيلت في المحبة ، بحسب آثارها وشواهدها . والكلام على ما يحتاج إليه منها :
الأول : قيل : المحبة الميل الدائم ، بالقلب الهائم .
وهذا الحد لا تمييز فيه بين المحبة الخاصة والمشتركة ، والصحيحة والمعلولة .
الثاني : إيثار المحبوب ، على جميع المصحوب .
وهذا حكم من أحكام المحبة وأثر من آثارها .
الثالث : موافقة الحبيب ، في المشهد والمغيب .
وهذا أيضا موجبها ومقتضاها . وهو أكمل من الحدين قبله . فإنه يتناول المحبة الصادقة الصحيحة خاصة ، بخلاف مجرد الميل والإيثار بالإرادة . فإنه إن لم تصحبه موافقة فمحبته معلولة .
الرابع : محو الحب لصفاته . وإثبات المحبوب لذاته .
وهذا أيضا من أحكام الفناء في المحبة : أن تنمحي صفات المحب ، وتفنى في صفات محبوبه وذاته . وهذا يستدعي بيانا أتم من هذا ، لا يدركه إلا من أفناه وارد المحبة عنه ، وأخذه منه .
الخامس : مواطأة القلب لمرادات المحبوب .
وهذا أيضا من موجباتها وأحكامها . و « الموطأة » الموافقة لمرادات المحبوب وأوامره ومراضيه .
السادس : خوف ترك الحرمة ، مع إقامة الخدمة .
وهذا أيضا من أعلامها وشواهدها وآثارها : أن يقوم بالخدمة كما ينبغي ، مع خوفه من ترك الحرمة والتعظيم .