التاسع عشر : سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب . وهو لمحمد بن الفضل .
ومراده : توحيد المحبوب بالمحبة .
العشرون : غض طرف القلب عما سوى المحبوب غيرة . وعن المحبوب هيبة .
وهذا يحتاج إلى تبيين .
أما الأول : فظاهر . وأما الثاني : فإن غض طرف القلب عن المحبوب - مع كمال محبته - كالمستحيل . ولكن عند استيلاء الهيبة يقع مثل هذا . وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم . وقد قيل : إن هذا تفسير قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « حبك الشيء يعمي ويصم » أي يعمي عما سواه غيرة ، وعنه هيبة .
وليس هذا مراد الحديث ، ولكن المراد به : أن حبك للشيء يعمي ويصم عن تأمل قبائحه ومساويه . فلا تراها ولا تسمعها ، وإن كانت فيه . وليس المراد به : ذكر المحبة المطلوبة المتعلقة بالرب . ولا يقال في حب الرب تبارك وتعالى : حبك الشيء . ولا يوصف صاحبها بالعمى والصم .
ونحن لا ننكر المرتبتين المذكورتين . فإن المحب قد يعمى ويصم عنه بالهيبة والإجلال ، ولكن لا توصف محبة العبد لربه تعالى بذلك . وليس أهلها من أهل العمى والصمم . بل هم أهل الأسماع والأبصار على الحقيقة ومن سواهم هم البكم العمي الصم الذين لا يعقلون .
الحادي والعشرون : ميلك للشيء بكليتك . ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك . ثم موافقتك له سرا وجهرا . ثم علمك بتقصيرك في حبه .
قال الجنيد : سمعت الحارث المحاسبي يقول ذلك .
الثاني والعشرون : المحبة نار في القلب ، تحرق ما سوى مراد المحبوب .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : لمت بعض الإباحية فقال لي ذلك .
ثم قال : والكون كله مراده ، فأي شيء أبغض منه ؟
قال الشيخ فقلت له : إذا كان المحبوب قد أبغض أفعالا وأقوالا وأقواما وعاداهم فطردهم ولعنهم فأحببتهم : تكون مواليا للمحبوب أو معاديا له ؟ قال : فكأنما ألقم حجرا . وافتضح بين أصحابه . وكان مقدّما فيهم مشارا إليه .
وهذا الحد صحيح : وقائله إنما أراد : أنها تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب الديني الأمري ، الذي يحبه ويرضاه ، لا المراد الذي قدّره وقضاه . لكن لقلة حظ المتأخرين منهم وغيرهم من العلم : وقعوا فيما وقعوا فيه من الإباحة والحلول والاتحاد ، والمعصوم من عصمه اللّه .
الثالث والعشرون : المحبة بذل المجهود ، وترك الاعتراض على المحبوب .
وهذا أيضا من حقوقها وثمراتها وموجباتها .
الرابع والعشرون : سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه . ثم السّكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف ، وأنشد :
فأسكر القوم دور الكأس بينهم * لكنّ سكري نشا من رؤية الساقي