والثاني : أنفاس المحبة والإرادة . وما يتعلق بالمعروف المذكور . وبالمحبوب المراد من الذاكر والمحب . و « صدقها » خلوصها من شوائب الأغيار والحظوظ .
وقوله : « لأهل الهمم العالية » فهي التي لا تقف دون اللّه عزّ وجلّ . ولا تعرّج في سفرها على شيء سواه . وأعلى الهمم : ما تعلق بالعليّ الأعلى . وأوسعها : ما تعلق بصلاح العباد .
وهي همم الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وورثتهم .
وقوله « في الأحايين الخالية » .
يريد بها : ساعات الصفاء مع اللّه تعالى ، وأوقات النفحات الإلهية ، التي من تعرض لها يوشك أن لا يحرمها . ومن أعرض عنها فهي عنه أشد إعراضا .
وقوله « في الأسماع الصاخية » .
فهي التي صحت من تعلقها بالباطل واللغو ، وأصاخت لدعوة الحق ، ومنادي الإيمان . فإن الباطل واللغو خمر الأسماع والعقول . فصحوها بتجنبه والإصغاء إلى دعوة الحق .
قوله « وهو علم يظهر الغائب » أي يكشف ما كان غائبا عن العارف .
قوله « ويغيب الشاهد » أي يغيبه عن شهود ما سوى مشهوده الحق .
« ويشير إلى الجمع » وهو مقام الفردانية ، واضمحلال الرسوم ، حتى رسم الشاهد نفسه .
واللّه سبحانه أعلم .
قال « الدرجة الثالثة : علم لدنّي . إسناده وجوده ، وإدراكه عيانه . ونعته حكمه . ليس بينه وبين الغيب حجاب » .
يشير القوم بالعلم « اللدنّي » إلى ما يحصل للعبد من غير واسطة ، بل بإلهام من اللّه ، وتعريف منه لعبده ، كما حصل للخضر عليه السلام بغير واسطة موسى « 1 » قال اللّه تعالى :
آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
[ الكهف : 65 ] .
وفرق بين الرحمة والعلم . وجعلهما « من عنده » و « من لدنه » إذ لم ينلهما على يد بشر ، وكان « من لدنه » أخص وأقرب من « عنده » ولهذا قال تعالى :
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً
( 80 ) [ الإسراء : 80 ] ف « السلطان النصير » الذي من لدنه سبحانه : أخص وأقرب مما عنده . ولهذا قال تعالى :
وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً
[ الإسراء :
80 ] وهو الذي أيده به . والذي من عنده : نصره بالمؤمنين كما قال تعالى :
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ
[ الأنفال : 62 ] .
و « العلم اللدني » ثمرة العبودية والمتابعة ، والصدق مع اللّه ، والإخلاص له ، وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله . وكمال الانقياد له . فيفتح له من فهم الكتاب والسنة بأمر يخصه
هامش
( 1 ) كان الخضر عبدا رسولا في ناحية وموسى عبدا رسولا في ناحية أخرى . وكان في موسى بقية من حدة مما تربّى عليه في بيت فرعون . فقام خطيبا . فسأله سائل : « من أعلم الناس ؟ فقال : أنا . ولم يرد العلم إلى اللّه » فعتب اللّه عليه . وأمره أن يذهب ليتعلم من نبيه الخضر الذي أوحى إليه ربه بأن يعطيه الدروس المناسبة .
لتسرعه الذي ظهر بوكز المصري وكزة قضت عليه . كما ورد ذلك في صحيح البخاري .