ودائرة العلم تسع الدنيا والآخرة . ودائرة الحال تضيق عن غير صاحبه . وربما ضاقت عنه .
العلم هاد والحال الصحيح مهتد به . وهو تركة الأنبياء وتراثهم . وأهله عصبتهم ووراثهم ، وهو حياة القلوب . ونور البصائر . وشفاء الصدور . ورياض العقول . ولذة الأرواح . وأنس المستوحشين . ودليل المتحيرين . وهو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال .
وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين ، والغي والرشاد ، والهدى والضلال .
به يعرف اللّه ويعبد ، ويذكر ويوحد ، ويحمد ويمجد . وبه اهتدى إليه السالكون . ومن طريقه وصل إليه الواصلون . ومن بابه دخل عليه القاصدون . به تعرف الشرائع والأحكام ، ويتميز الحلال من الحرام . وبه توصل الأرحام وبه تعرف مراضي الحبيب ، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب .
وهو إمام ، والعمل مأموم . وهو قائد ، والعمل تابع . وهو الصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة ، والأنيس في الوحشة ، والكاشف عن الشبهة . والغنى الذي لا فقر على من ظفر بكنزه . والكنف الذي لا ضيعة على من أوى إلى حرزه .
مذاكرته تسبيح . والبحث عنه جهاد . وطلبه قربة . وبذله صدقة . ومدارسته تعدل بالصيام والقيام . والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام .
قال الإمام أحمد رضي اللّه عنه : الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب . لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين . وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه .
وروينا عن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة .
ونص على ذلك أبو حنيفة رضي اللّه عنه .
وقال ابن وهب : كنت بين يدي مالك رضي اللّه عنه . فوضعت ألواحي وقمت أصلي .
فقال : ما الذي قمت إليه بأفضل مما قمت عنه .
ذكره ابن عبد البر وغيره .
واستشهد اللّه عزّ وجلّ بأهل العلم على أجلّ مشهود به وهو « التوحيد » وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته . وفي ضمن ذلك تعديلهم . فإنه سبحانه وتعالى لا يستشهد بمجروح .
ومن هاهنا - واللّه أعلم - يؤخذ الحديث المعروف « يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله .
ينفون عنه تحريف الغالين ، وتأويل المبطلين » .
وهو حجة اللّه في أرضه . ونوره بين عباده . وقائدهم ودليلهم إلى جنته . ومدنيهم من كرامته .
ويكفي في شرفه : أن فضل أهله على العباد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب .
وأن الملائكة لتضع لهم أجنحتها ، وتظلهم بها ، وأن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في البحر ، وحتى النمل في جحرها ، وأن اللّه وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير .
ولقد رحل كليم الرحمن موسى بن عمران - عليه الصلاة والسلام - في طلب العلم هو وفتاه ، حتى مسهما النصب في سفرهما في طلب العلم . حتى ظفر بثلاث مسائل . وهو من أكرم الخلق على اللّه وأعلمهم به .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 619
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦١٩