بهمتك أحدا . وتجعل هجرتك إلى الحق سرمدا » .
أي لا تفارق حال الشهود . وهذا إنما يقدر عليه أهل التمكن الذين ظفروا بنفوسهم وقطعوا المسافات التي بين النفس وبين القلب . والمسافات التي بين القلب وبين اللّه ، بمجاهدة القطاع التي على تلك المسافات .
قوله : « ولا تخلط بهمتك أحدا » .
يعني : أن تعلق همتك بالحق وحده . ولا تعلق همتك بأحد غيره . فإن ذلك شرك في طريق الصادقين .
قوله « وأن تجعل هجرتك إلى الحق سرمدا » .
يعني : أن كل متوجه إلى اللّه بالصدق والإخلاص ، فإنه من المهاجرين إليه . فلا ينبغي أن يتخلف عن هذه الهجرة ، بل ينبغي أن يصحبها سرمدا . حتى يلحق باللّه عزّ وجلّ .
فما هي إلا ساعة . ثم تنقضي * ويحمد غبّ السير من هو سائر
وللّه على كل قلب هجرتان . وهما فرض لازم له على الأنفاس :
هجرة إلى اللّه سبحانه بالتوحيد والإخلاص ، والإنابة والحب ، والخوف والرجاء والعبودية .
وهجرة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بالتحكيم له والتسليم والتفويض ، والانقياد لحكمه ، وتلقي أحكام الظاهر والباطن من مشكاته . فيكون تعبده به أعظم من تعبد الركب بالدليل الماهر في ظلم الليل ، ومتاهات الطريق .
فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث على رأسه الرماد . وليراجع الإيمان من أصله .
فيرجع وراءه ليقتبس نورا ، قبل أن يحال بينه وبينه ، ويقال له ذلك على الصراط من وراء السور .
واللّه المستعان .
منزلة العلم
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « العلم » .
وهذه المنزلة إن لم تصحب السالك من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه :
فسلوكه على غير طريق . وهو مقطوع عليه طريق الوصول ، مسدود عليه سبل الهدى والفلاح ، مغلقة عنه أبوابها . وهذا إجماع من الشيوخ العارفين . ولم ينه عن العلم إلا قطاع الطريق منهم ، ونواب إبليس وشرطه .
قال سيد الطائفة وشيخهم الجنيد بن محمد رحمه اللّه : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى آثار الرسول صلى اللّه عليه وسلم .
وقال : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث ، لا يقتدى به في هذا الأمر ، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة .
وقال : مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة .
وقال أبو حفص رحمه اللّه : من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ، ولم