يقاتل ، ولا يحارب . وليس في شريعته قتال البتة . والنصارى يحرم عليهم دينهم القتال . وهم به عصاة لشرعه . فإن الإنجيل يأمرهم فيه : أن « من لطمك على خدك الأيمن ، فأدر له خدك الأيسر . ومن نازعك ثوبك . فأعطه رداءك . ومن سخرك ميلا . فامش معه ميلين » ونحو هذا .
وليس في شريعتهم مشقة ، ولا آصار ، ولا أغلال . وإنما النصارى ابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم . ولم تكتب عليهم .
وأما نبينا صلى اللّه عليه وسلم : فكان في مظهر الكمال ، الجامع لتلك القوة والعدل ، والشدة في اللّه . وهذا اللين والرأفة والرحمة . وشريعته أكمل الشرائع . فهو نبي الكمال ، وشريعته شريعة الكمال ، وأمته أكمل الأمم . وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات ، ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا ، وبالفضل ندبا إليه واستحبابا ، وبالشدة في موضع الشدة ، وباللين في موضع اللين ، ووضع السيف موضعه ، ووضع الندى موضعه . فيذكر الظلم ويحرمه . والعدل ويوجبه . والفضل ويندب إليه في بعض آيات . كقوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشّورى : 40 ] فهذا عدل
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
[ الشّورى : 40 ] فهذا فضل
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
[ الشّورى : 40 ] فهذا تحريم للظلم . وقوله
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
[ النّحل : 126 ] فهذا إيجاب للعدل ، وتحريم للظلم
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
[ النّحل : 126 ] ندب إلى الفضل . وقوله
وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ
[ البقرة : 279 ] تحريم للظلم
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ
[ البقرة : 280 ] عدل
وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 280 ] فضل .
وكذلك تحريم ما حرم على أمته صيانة وحمية .
حرم عليهم كل خبيث وضار ، وأباح لهم كل طيب ونافع . فتحريمه عليهم رحمة ، وعلى من قبلهم لم يخل من عقوبة . وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم ووهب لهم من علمه وحلمه .
وجعلهم خير أمة أخرجت للناس . وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم قبلهم . كما كمل نبيهم صلى اللّه عليه وسلم من المحاسن بما فرقه في الأنبياء قبله . وكمل في كتابه من المحاسن بما فرقها في الكتب قبله . وكذلك في شريعته .
فهؤلاء « الضنائن » وهم المجتبون الأخيار . كما قال تعالى :
هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[ الحجّ : 78 ] وجعلهم شهداء على الناس . فأقامهم في ذلك مقام الأنبياء الشاهدين على أممهم .
وتفضيل هذه الأمة وخصائصها يستدعي سفرا . بل أسفارا . وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء .
واللّه ذو الفضل العظيم .
منزلة الإحسان
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الإحسان » .
وهي لب الإيمان ، وروحه وكماله . وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل . فجميعها منطوية فيها . وكل ما قيل من أول الكتاب إلى ههنا فهو من الإحسان .
قال صاحب المنازل رحمه اللّه - وقد استشهد على هذه المنزلة بقوله تعالى :
هَلْ جَزاءُ